الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسلمين عليهم ، ورأوا كيف أنجز اللّه لهم ما وعدهم من النصر الذي لم يكونوا يتوقّعونه . فالذين خوطبوا بهذه الآية هم أعلم السامعين بفائدة التوقيت الذي في قوله : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا الآية . ولذلك تعيّن على المفسّر وصف الحالة التي تضمنتها الآية ، ولولا ذلك لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى . وجملة وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ في موضع الحال من الْجَمْعانِ [ الأنفال : 41 ] وعامل الحال فعل الْتَقَى [ الأنفال : 41 ] أي في حال لقاء على غير ميعاد ، قد جاء ألزم ممّا لو كان على ميعاد ، فإنّ اللقاء الذي يكون موعودا قد يتأخّر فيه أحد المتواعدين عن وقته ، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متّحد وفي مكان متجاور متقابل . ومعنى الاختلاف في الميعاد : اختلاف وقته بأن يتأخّر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء . والتلازم بين شرط لَوْ وجوابها خفي هنا وقد أشكل على المفسّرين ، ومنهم من اضطرّ إلى تقدير كلام محذوف تقديره : ثم علمتم قلّتكم وكثرتكم ، وفيه أنّ ذلك يفضي إلى التخلّف عن الحضور لا إلى الاختلاف . ومنهم من قدر : وعلمتم قلّتكم وشعر المشركون بالخوف منكم لما ألقى اللّه في قلوبهم من الرعب ، أي يجعل أحد الفريقين يتثاقل فلم تحضروا على ميعاد ، وهو يفضي إلى ما أفضى إليه القول الذي قبله ، ومنهم من جعل ذلك لما لا يخلو عنه الناس من عروض العوارض والقواطع ، وهذا أقرب ، ومع ذلك لا ينثلج له الصدر . فالوجه في تفسير هذه الآية أنّ لَوْ هذه من قبيل ( لو ) الصهيبية فإنّ لها استعمالات ملاكها : أن لا يقصد من ( لو ) ربط انتفاء مضمون جوابها بانتفاء مضمون شرطها ، أي ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط ، بل يقصد أنّ مضمون الجواب حاصل لا محالة ، سواء فرض حصول مضمون شرطها أو فرض انتفاؤه ، إمّا لأنّ مضمون الجواب أولى بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط ، نحو قوله تعالى : وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] ، وإمّا بقطع النظر عن أولوية مضمون الجواب بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط نحو قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . ومحصّل هذا أنّ مضمون الجزاء مستمرّ الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم ، فيأتي بجملة الشرط متضمنّة الحالة التي هي عند السامع مظنة أن يحصل فيها نقيض مضمون الجواب . ومن هذا قول طفيل في الثناء على بني جعفر بن كلاب :