الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أي أخفض من منازلهما ، لأن العير كانوا سائرين في طريق الساحل ، وقد تركوا ماء بدر عن يسارهم . ذلك أنّ أبا سفيان لمّا بلغه أنّ المسلمين خرجوا لتلقي عيره رجع بالعير عن الطريق التي تمرّ ببدر ، وسلك طريق الساحل لينجو بالعير ، فكان مسيره في السهول المنخفضة ، وكان رجال الركب أربعين رجلا . والمعنى : والركب بالجهة السفلى منكم ، وهي جهة البحر وضمير مِنْكُمْ خطاب للمسلمين المخاطبين بقوله : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا والمعنى أنّ جيش المسلمين كان بين جماعتين للمشركين ، وهما جيش أبي سفيان بالعدوة القصوى ، وعير القوم أسفل من العدوة الدنيا ، فلو علم العدوّ بهذا الوضع لطبّق جماعتيه على جيش المسلمين ، ولكن اللّه صرفهم عن التفطّن لذلك وصرف المسلمين عن ذلك ، وقد كانوا يطمعون أن يصادفوا العير فينتهبوها كما قال تعالى : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] ولو حاولوا ذلك لوقعوا بين جماعتين من العدوّ . وانتصب أَسْفَلَ على الظرفية المكانية وهو في محلّ رفع خبر عن ( الركب ) أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه فتنتهبوا ما فيه من المتاع . والغرض من التقييد بهذا الوقت ، وبتلك الحالة : إحضارها في ذكرهم ، لأجل ما يلزم ذلك من شكر نعمة اللّه ، ومن حسن الظنّ بوعده والاعتماد عليه في أمورهم ، فإنّهم كانوا حينئذ في أشدّ ما يكون فيه جيش تجاه عدوّه ، لأنّهم يعلمون أنّ تلك الحالة كان ظاهرها ملائما للعدوّ ، إذ كان العدوّ في شوكة واكتمال عدّة ، وقد تمهدت له أسباب الغلبة بحسن موقع جيشه ، إذ كان بالعدوة التي فيها الماء لسقياهم والتي أرضها متوسّطة الصلابة ، فأما جيش المسلمين فقد وجدوا أنفسهم أمام العدوّ في عدوة تسوخ في أرضها الأرجل من لين رملها ، مع قلّة مائها ، وكانت العير قد فاتت المسلمين وحلّت وراء ظهور جيش المشركين ، فكانت في مأمن من أن ينالها المسلمون ، وكان المشركون واثقين بمكنة الذبّ عن عيرهم ، فكانت ظاهرة هذه الحالة ظاهرة خيبة وخوف للمسلمين ، وظاهرة فوز وقوة للمشركين ، فكان من عجيب عناية اللّه بالمسلمين أن قلب تلك الحالة رأسا على عقب ، فأنزل من السماء مطرا تعبّدت به الأرض لجيش المسلمين فساروا فيها غير مشفوق عليهم ، وتطهّروا وسقوا ، وصارت به الأرض لجيش المشركين وحلا يثقل فيها السير وفاضت المياه عليهم ، وألقى اللّه في قلوبهم تهوين أمر المسلمين ، فلم يأخذوا حذرهم ولا أعدّوا للحرب عدّتها ، وجعلوا مقامهم هنالك مقام لهو وطرب ، فجعل اللّه ذلك سببا لنصر