الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
103
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ لما في الموصول من معنى الاشتراط ، وما في الخبر من معنى المجازاة بتأويل : إن غنمتم فحقّ للّه خمسه إلخ . والمصدر المؤوّل بعد ( أنّ ) في قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ مبتدأ حذف خبره ، أو خبر حذف مبتدؤه ، وتقدير المحذوف بما يناسب المعنى الذي دلّت عليه لام الاستحقاق ، أي فحقّ للّه خمسه . وإنّما صيغ على هذا النظم ، مع كون معنى اللام كافيا في الدلالة على الأحقّيّة ، كما قرئ في الشاذ فلله خمسه لما يفيده الإتيان بحرف ( أنّ ) من الإسناد مرتين تأكيدا ، ولأنّ في حذف أحد ركني الإسناد تكثيرا لوجوه الاحتمال في المقدّر ، من نحو تقدير : حقّ ، أو ثبات ، أو لازم ، أو واجب . واللام للملك ، أو الاستحقاق ، وقد علم أنّ أربعة الأخماس للغزاة الصادق عليهم ضمير غَنِمْتُمْ فثبت به أنّ الغنيمة لهم عدا خمسها . وقد جعل اللّه خمس الغنيمة حقّا للّه وللرسول ومن عطف عليهما ، وكان أمر العرب في الجاهلية أنّ ربع الغنيمة يكون لقائد الجيش ، ويسمّى ذلك « المرباع » بكسر الميم . وفي عرف الإسلام إذا جعل شيء حقّا للّه ، من غير ما فيه عبادة له : أنّ ذلك يكون للذين يأمر اللّه بتسديد حاجتهم منه ، فلكلّ نوع من الأموال مستحقّون عيّنهم الشرع ، فالمعنى في قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أنّ الابتداء باسم اللّه تعالى للإشارة إلى أنّ ذلك الخمس حقّ اللّه يصرفه حيث يشاء ، وقد شاء فوكل صرفه إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم ولمن يخلف رسوله من أئمّة المسلمين . وبهذا التأويل يكون الخمس مقسوما على خمسة أسهم ، وهذا قول عامّة علماء الإسلام وشذّ أبو العالية رفيع « 1 » الرياحي ولاء من التابعين ، فقال : إنّ الخمس يقسم على خمسة أسهم فيعزل منها سهم فيضرب الأمير بيده على ذلك السهم الذي عزله فما قبضت عليه يده من ذلك جعله للكعبة : أي على وجه يشبه القرعة ، ثم يقسم بقية ذلك السهم على خمسة : سهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل . ونسب أبو العالية ذلك إلى فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأمّا الرسول - عليه الصلاة والسلام - فلحقه حالتان : حالة تصرّفه في مال اللّه بما ائتمنه اللّه على سائر مصالح الأمة ، وحالة انتفاعه بما يحبّ انتفاعه به من ذلك . فلذلك
--> ( 1 ) بضم الراء وفتح الفاء توفي سنة تسعين على الصحيح .