الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
18
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النّيابة عن ظرف الزّمان أي في وقت البيات . وجملة هُمْ قائِلُونَ حال أيضا لعطفها على بَياتاً بأو ، وقد كفى هذا الحرف العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال ، ولولا العطف لكان تجرد مثل هذه الجملة عن الواو غير حسن ، كما قال في « الكشاف » ، وهو متابع لعبد القاهر . وأقول : إنّ جملة الحال ، إذا كانت جملة اسميّة ، فإمّا أن تكون منحلّة إلى مفردين : أحدهما وصف صاحب الحال ، فهذه تجرّدها عن الواو قبيح ، كما صرّح به عبد القاهر وحقّقه التفتازانيّ في « المطوّل » ، لأنّ فصيح الكلام أن يجاء بالحال مفردة إذ لا داعي للجملة ، نحو جاءني زيد هو فارس ، إذ يغني أن تقول : فارسا . وأمّا إذا كانت الجملة اسميّة فيها زيادة على وصف صاحب الحال ، وفيها ضمير صاحب الحال ، فخلوها عن الواو حسن نحو قوله تعالى : قلنا اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ طه : 123 ] فإنّ هذه حالة لكلا الفريقين ، وهذا التّحقيق هو الذي يظهر به الفرق بين قوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ طه : 123 ] وقولهم ، في المثال : جاءني زيد هو فارس ، وهو خير ممّا أجاب به الطيبي وما ساقه من عبارة « المفتاح » وعبارة ابن الحاجب فتأمّله . وعلّل حذف واو الحال بدفع استثقال توالي حرفين من نوع واحد . و ( أو ) لتقسيم القرى المهلكة : إلى مهلكة في اللّيل ، ومهلكة في النّهار ، والمقصود من هذا التّقسيم تهديد أهل مكّة حتّى يكونوا على وجل في كلّ وقت لا يدرون متى يحلّ بهم العذاب ، بحيث لا يأمنون في وقت ما . ومعنى : قائِلُونَ كائنون في وقت القيلولة ، وهي القائلة ، وهي اسم للوقت المبتدئ من نصف النّهار المنتهي بالعصر ، وفعله : قال يقيل فهو قائل ، والمقيل الرّاحة في ذلك الوقت ، ويطلق المقيل على القائلة أيضا . وخصّ هذان الوقتان من بين أوقات اللّيل والنّهار : لأنّهما اللّذان يطلب فيهما النّاس الرّاحة والدعة ، فوقوع العذاب فيهما أشدّ على النّاس ، ولأنّ التّذكير بالعذاب فيهما ينغص على المكذّبين تخيّل نعيم الوقتين . والمعنى : وكم من أهل قرية مشركين أهلكناهم جزاء على شركهم ، فكونوا يا معشر أهل مكّة على حذر أن نصيبكم مثل ما أصابهم فإنّكم وإياهم سواء . وقوله : فَما كانَ دَعْواهُمْ يصحّ أن تكون الفاء فيه للترتيب الذّكري تبعا للفاء في