الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقال البغوي : قالوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [ الأنعام : 138 ] وقالوا : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [ الأنعام : 139 ] وحرّموا البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي ، فلمّا قام الإسلام جادلوا النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، وكان خطيبهم مالك بن عوف الجشمي قالوا : يا محمّد بلغنا أنّك تحرّم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه . فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : إنّكم قد حرّمتم أصنافا من النّعم على غير أصل ، وإنّما خلق اللّه هذه الأزواج الثّمانية للأكل والانتفاع بها ، فمن أين جاء هذا التّحريم أمن قبل الذّكر أم من قبل الأنثى . فسكت مالك بن عوف وتحيّر ا ه ( أي وذلك قبل أن يسلم مالك بن عوف ) ولم يعزه البغوي إلى قائل وهو قريب ممّا قاله قتادة والسّدي ومجاهد فتبيّن أنّ الحجاج كلّه في تحريم أكل بعض هذه الأنواع من الأنعام ، وفي عدم التّفرقة بين ما حرّموا أكله وما لم يحرّموه مع تماثل النّوع أو الصنف . والّذي يؤخذ من كلام أئمّة العربيّة في نظم الاستدلال على المشركين أنّ الاستفهام في قوله : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ في الموضعين . استفهام إنكاري ، قال في « الكشاف » الهمزة في آلذَّكَرَيْنِ للإنكار . والمعنى : إنكار أن يحرّم اللّه تعالى من جنسي الغنم شيئا من نوعي ذكورها وإناثها وما تحمل إناثها وكذلك في جنسي الإبل والبقر ، وبيّنه صاحب « المفتاح » في باب الطلب بقوله : وإن أردت به ( أي بالاستفهام ) الإنكار فانسجه على منوال النّفي فقل ( في إنكار نفس الضرب ) أضربت زيدا ، وقل ( في إنكار أن يكون للمخاطب مضروب ) أزيدا ضربت أم عمرا ، فإنّك إذا أنكرت من يردّد الضّرب بينهما ( أي بزعمه ) تولّد منه ( أي من الإنكار عليه ) إنكار الضرب على وجه برهاني ومنه قوله تعالى : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ . قال شارحه القطب الشّيرازي : لاستلزام انتفاء محلّ التّحريم انتفاء التّحريم لأنّه عرض يمتنع وجوده ، أي التّحريم ، دون محلّ يقوم به فإذا انتفى ( أي محلّه ) انتفى هو أي التّحريم ا ه . أقول وجه الاستدلال : أنّ اللّه لو حرّم أكل بعض الذّكور من أحد النّوعين لحرّم البعض الآخر ، ولو حرّم أكل بعض الإناث لحرّم البعض الآخر . لأنّ شأن أحكام اللّه أن تكون مطّردة في الأشياء المتّحدة بالنّوع والصّفة ، ولو حرّم بعض ما في بطون الأنعام على النّساء لحرّم ذلك على الرّجال ، وإذ لم يحرّم بعضها على بعض مع تماثل الأنواع والأحوال . أنتج أنّه لم يحرّم البعض المزعوم تحريمه ، لأنّ أحكام اللّه منوطة بالحكمة ، فدلّ على أنّ ما حرّموه إنّما حرّموه من تلقاء أنفسهم تحكّما واعتباطا ، وكان تحريمهم ما