الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

96

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالزّوج ثان لواحد ، وكلّ من ذينك الاثنين يقال له : زوج ، باعتبار أنّه مضموم ، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ في سورة البقرة [ 35 ] ، ويطلق الزوج غالبا على الذّكر والأنثى من بني آدم المتلازمين بعقدة نكاح ، وتوسّع في هذا الإطلاق فأطلق بالاستعارة على الذّكر والأنثى من الحيوان الّذي يتقارن ذكره وأنثاه مثل حمار الوحش وأتانه ، وذكر الحمام وأنثاه ، لشبهها بالزوجين من الإنسان . ويطلق الزّوج على الصنف من نوع كقوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ في سورة الرّعد [ 3 ] . وكلا الإطلاقين الأخيرين صالح للإرادة هنا لأنّ الإبل والبقر والضأن والمعز أصناف للأنعام ، ولأنّ كلّ ذلك منه ذكر وأنثى . إذ المعنى أنّ اللّه خلق من الأنعام ذكرها وأنثاها ، فالأزواج هنا أزواج الأصناف ، وليس المراد زوجا بعينه ، إذ لا تعرف بأعيانها ، فثمانية أزواج هي أربعة ذكور من أربعة أصناف وأربع إناث كذلك . وقوله : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ أبدل اثْنَيْنِ من قوله : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قوله : اثْنَيْنِ : بدل تفصيل ، والمراد : اثنين منها أي من الأزواج ، أي ذكر وأنثى كلّ واحد منهما زوج للآخر ، وفائدة هذا التّفصيل التوصّل لذكر أقسام الذّكور والإناث توطئة للاستدلال الآتي في قوله : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ الآية . وسلك في التّفصيل طريق التّوزيع تمييزا للأنواع المتقاربة ، فإنّ الضأن والمعز متقاربان ، وكلاهما يذبح ، والإبل والبقر متقاربة ، والإبل تنحر ، والبقر تذبح وتنحر أيضا . ومن البقر صنف له سنام فهو أشبه بالإبل ويوجد في بلاد فارس ودخل بلاد العرب وهو الجاموس ، والبقر العربي لا سنام له وثورها يسمّى الفريش . ولمّا كانوا قد حرّموا في الجاهليّة بعض الغنم ، ومنها ما يسمّى بالوصيلة كما تقدّم ، وبعض الإبل كالبحيرة والوصيلة أيضا ، ولم يحرّموا بعض المعز ولا شيئا من البقر ، ناسب أن يؤتى بهذا التّقسيم قبل الاستدلال تمهيدا لتحكّمهم إذ حرّموا بعض أفراد من أنواع ، ولم يحرّموا بعضا من أنواع أخرى ، وأسباب التّحريم المزعومة تتأتى في كلّ نوع فهذا إبطال إجمالي لما شرعوه وأنّه ليس من دين اللّه ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وهذا الاستدلال يسمى في علم المناظرة والبحث بالتحكّم . والضأن - بالهمز - اسم جمع للغنم لا واحد له من لفظه ، ومفرد الضأن شاة وجمعها شاء . وقيل هو جمع ضائن . والضأن نوع من الأنعام ذوات الظلف له صوف . والمعز