الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
91
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فعال وذلك الصّرام والجزاز والجداد والقطاع والحصاد ، وربّما دخلت اللّغة في بعض هذا ( أي اختلفت اللّغات فقال بعض القبائل حصاد - بفتح الحاء - وقال بعضهم حصاد - بكسر الحاء - ) فكان فيه فعال وفعال فإذا أرادوا الفعل على فعلت قالوا حصدته حصدا وقطعته قطعا إنّما تريد العمل لا انتهاء الغاية » . وقرأه نافع ، وابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف - بكسر الحاء - . وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر ، ويعقوب - بفتح الحاء - . وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة ، أو بعده بقليل ، لأنّ افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام ، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم ، وجحدوا حقوقهم ، واستباحوا أموالهم ، فكان من الضّروري أن يسدّ أهل الجدة والقوّة من المسلمين خلّتهم . وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة مثل سورة المزمّل وسورة البيّنة وهي من أوائل سور القرآن ، فالزّكاة قرينة الصّلاة . وقول بعض المفسّرين : الزّكاة فرضت بالمدينة ، يحمل على ضبط مقاديرها بآية خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] وهي مدنيّة ، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد بالحقّ هنا الزّكاة ، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق ، وإنّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة ، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضا ، وإنّما ضبطت الزّكاة . ببيان الأنواع المزكاة ومقدار النّصب والمخرج منه ، بالمدينة ، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكّة ، وقد حملها مالك على الزّكاة المعيّنة المضبوطة في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول ابن عبّاس ، وأنس بن مالك ، وسعيد بن المسيّب ، وجمع من التّابعين كثير . ولعلّهم يرون الزّكاة فرضت ابتداء بتعيين النّصب والمقادير ، وحملها ابن عمر ، وابن الحنفية ، وعليّ بن الحسين ، وعطاء ، وحمّاد ، وابن جبير ، ومجاهد ، على غير الزّكاة وجعلوا الأمر للنّدب ، وحملها السدّي ، والحسن ، وعطيّة العوفي ، والنّخعي ، وسعيد بن جبير ، في رواية عنه ، على صدقة واجبة ثمّ نسختها الزّكاة . وإنّما أوجب اللّه الحقّ في الثّمار والحبّ يوم الحصاد : لأنّ الحصاد إنّما يراد للادّخار وإنّما يدّخر المرء ما يريده للقوت ، فالادّخار هو مظنة الغني الموجبة لإعطاء الزّكاة ، والحصاد مبدأ تلك المظنة ، فالّذي ليست له إلّا شجرة أو شجرتان فإنّما يأكل ثمرها مخضورا قبل أن ييبس ، فلذلك رخّصت الشّريعة لصاحب الثّمرة أن يأكل من الثّمر إذا أثمر ، ولم توجب عليه إعطاء حقّ الفقراء إلّا عند الحصاد . ثمّ إنّ حصاد الثّمار ، وهو