الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

86

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : سَفَهاً منصوب على المفعول المطلق المبين لنوع القتل : أنّه قتل سفه لا رأي لصاحبه ، بخلاف قتل العدوّ وقتل القاتل ، ويجوز أن ينتصب على الحال من الَّذِينَ قَتَلُوا ، وصفوا بالمصدر لأنّهم سفهاء بالغون أقصى السفه . والباء في قوله : بِغَيْرِ عِلْمٍ للملابسة ، وهي في موضع الحال إمّا من سَفَهاً فتكون حالا مؤكّدة ، إذ السفه لا يكون إلّا بغير علم ، وإمّا من فاعل قَتَلُوا ، فإنّهم لمّا فعلوا القتل كانوا جاهلين بسفاهتهم وبشناعة فعلهم وبعاقبة ما قدّروا حصوله لهم من الضرّ ، إذ قد يحصل خلاف ما قدّروه ولو كانوا يزنون المصالح والمفاسد لما أقدموا على فعلتهم الفظيعة . والمقصود من الإخبار عن كونه بغير علم ، بعد الإخبار عنه بأنّه سفه . التّنبيه على أنّهم فعلوا ذلك ظنّا منهم أنّهم أصابوا فيما فعلوا ، وأنّهم علموا كيف يرأبون ما في العالم من المفاسد ، وينظمون حياتهم أحسن نظام ، وهم في ذلك مغرورون بأنفسهم ، وجاهلون بأنّهم يجهلون الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] . وتقدّم الكلام على الوأد آنفا ، ويأتي في سورة الإسراء عند قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] . وقرأ الجمهور : قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ - بتخفيف التّاء - وقرأه ابن عامر - بتشديد التّاء - لأنّه قتل بشدّة ، وليست قراءة الجمهور مفيتة هذا المعنى ، لأنّ تسليط فعل القتل على الأولاد يفيد أنّه قتل فظيع . وقوله : وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ نعى عليهم خسرانهم في أن حرّموا على أنفسهم بعض ما رزقهم اللّه ، فحرموا الانتفاع به ، وحرموا النّاس الانتفاع به ، وهذا شامل لجميع المشركين ، بخلاف الّذين قتلوا أولادهم . والموصول الّذي يراد به الجماعة يصحّ في العطف على صلته أن تكون الجمل المتعاطفة مع الصّلة موزّعة على طوائف تلك الجماعة كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] . وانتصب افْتِراءً على المفعول المطلق ل حَرَّمُوا : لبيان نوع التّحريم بأنّهم نسبوه للّه كذبا . وجملة قَدْ ضَلُّوا استئناف ابتدائي لزيادة النّداء على تحقّق ضلالهم .