الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأمّا قوله : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ أي إن يولد ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج ، أو للرّجال والنّساء ، أو للرّجال والنّساء والبنات ، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة ، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك . وقرأ الجمهور : وَإِنْ يَكُنْ - بالتحتيّة ونصب مَيْتَةً . وقرأ ابن كثير - برفع مَيْتَةً - ، على أنّ كان تامّة ، وقد أجري ضمير : يَكُنْ على التّذكير : لأنّه جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التّذكير لتجرّد لفظه عن علامة تأنيث ، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ [ محمد : 16 ] . وقرأ ابن عامر - بالفوقيّة - على اتّباع تأنيث خالِصَةٌ ، أي إن تكن الأجنّة ، وقرأ مَيْتَةً - بالنّصب - ، وقرأه أبو بكر عن عاصم - بالتّأنيث والنّصب - . وجملة : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ مستأنفة استئنافا بيانيا ، كما قلت في جملة : سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ [ الأنعام : 138 ] آنفا . والوصف : ذكر حالات الشّيء الموصوف وما يتميّز به لمن يريد تمييزه في غرض ما ، وتقدّم في قوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ في هذه السّورة [ 100 ] . والوصف ، هنا : هو ما وصفوا به الأجنّة من حلّ وحرمة لفريق دون فريق ، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ [ النحل : 116 ] . وجزاؤهم عنه هو جزاء سوء بقرينة المقام ، لأنّه سمّى مزاعمهم السّابقة افتراء على اللّه . وجعل الجزاء متعدّيا للوصف بنفسه على تقدير مضاف ، أي : سيجزيهم جزاء وصفهم . ضمّن سَيَجْزِيهِمْ معنى يعطيهم ، أي جزاء وفاقا له . وجملة : إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تعليل لكون الجزاء موافقا لجرم وصفهم . وتؤذن ( إنّ ) بالربط والتّعليل ، وتغني غناء الفاء ، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها ، والعليم يطّلع على أفعال المجزيين ، فلا يضيع منها ما يستحقّ الجزاء . [ 140 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 140 ] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 )