الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

81

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يطعمها إلّا من نشاء ، فالمعنى : اعتقدوها حراما لغير من عيّنوه ، حتّى أنفسهم ، وما هي بحرام ، فهذا موقع قوله : بِزَعْمِهِمْ . وتقدّم القول على الباء من قوله : بِزَعْمِهِمْ آنفا عند قوله تعالى : فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ [ الأنعام : 136 ] . والصّنف الثّاني : أنعام حرّمت ظهورها ، أي حرّم ركوبها ، منها الحامي : لا يركبه أحد ، وله ضابط متّبع كما تقدّم في سورة المائدة ، ومنها أنعام يحرّمون ظهورها ، بالنّذر ، يقول أحدهم : إذا فعلت النّاقة كذا من نسل أو مواصلة بين عدة من إناث ، وإذا فعل الفحل كذا وكذا ، حرم ظهره . وهذا أشار إليه أبو نواس في قوله مادحا الأمين : وإذا المطيّ بنا بلّغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام فقوله : وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها معطوف على : أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ فهو كخبر عن اسم الإشارة . وعلم أنّه عطف صنف لوروده بعد استيفاء الأوصاف الّتي أجريت على خبر اسم الإشارة والمعطوف عليه عقبه . والتّقدير : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر وهذه أنعام حرّمت ظهورها وبني فعل : حُرِّمَتْ للمجهول : لظهور الفاعل ، أي حرّم اللّه ظهورها بقرينة قوله : افْتِراءً عَلَيْهِ . والصّنف الثّالث : أنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها ، أي لا يذكرون اسم اللّه عند نحرها أو ذبحها ، يزعمون أنّ ما أهدي للجنّ أو للأصنام يذكر عليه اسم ما قرّب له ، ويزعمون أنّ اللّه أمر بذلك لتكون خالصة القربان لما عيّنت له ، فلأجل هذا الزعم قال تعالى : افْتِراءً عَلَيْهِ إذ لا يعقل أن ينسب إلى اللّه تحريم ذكر اسمه على ما يقرّب لغيره لولا أنّهم يزعمون أنّ ذلك من القربان الّذي يرضي اللّه تعالى ، لأنّه لشركائه ، كما كانوا يقولون : « لبيك لا شريك لك ، إلّا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك » . وعن جماعة من المفسّرين ، منهم أبو وائل « 1 » ، الأنعام التي لا يذكرون اسم اللّه عليها كانت لهم سنّة في بعض الأنعام أن لا يحجّ عليها ، فكانت تركب في كلّ وجه إلّا الحجّ ، وأنّها المراد بقوله : وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا لأنّ الحجّ لا يخلو من ذكر اللّه حين الكون على الرّاحلة من تلبية وتكبير ، فيكون : لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا

--> ( 1 ) الأظهر أنّه شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي من أصحاب ابن مسعود توفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز ، ويحتمل أنّه عبد اللّه بن بحير - بموحدة مفتوحة فحاء مهملة مكسورة - المرادي الصنعاني القاصّ ، وثّقه ابن معين .