الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
65
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتعريف المسند باللّام مقتض تخصيصه بالمسند إليه ، أي قصر الغنى على اللّه ، وهو قصر ادّعائي باعتبار أنّ غنى غير اللّه تعالى لمّا كان غنى ناقصا نزّل منزلة العدم ، أي ربّك الغنيّ لا غيره ، وغناه تعالى حقيقي . وذكر وصف الغنيّ هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه ، وهو : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فهو من تقديم الدّليل بين يدي الدّعوى ، تذكيرا بتقريب حصول الجزم بالدّعوى . و ذُو الرَّحْمَةِ خبر ثان . وعدل عن أن يوصف بوصف الرّحيم إلى وصفه بأنّه : ذُو الرَّحْمَةِ : لأنّ الغنيّ وصف ذاتي للّه لا ينتفع الخلائق إلّا بلوازم ذلك الوصف ، وهي جوده عليهم ، لأنّه لا ينقص شيئا من غناه ، بخلاف صفة الرّحمة فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق ، فأوثرت بكلمة ذُو لأنّ ذُو كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس ، ومعناها صاحب ، وهي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه ، فلا يقال ذو إنصاف إلّا لمن كان قوي الإنصاف ، ولا يقال ذو مال لمن عنده مال قليل ، والمقصود من الوصف بذي الرّحمة ، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ، أي فلا يقولنّ أحد لما ذا لم يذهب هؤلاء المكذّبين ، أي أنّه لرحمته أمهلهم إعذارا لهم . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ . استئناف لتهديد المشركين الّذين كانوا يكذّبون الإنذار بعذاب الإهلاك ، فيقولون : مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ السجدة : 28 ] وذلك ما يؤذن به قوله عقبه : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ الأنعام : 134 ] . فالخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى اللّه عليه وسلّم والمقصود منه التعريض بمن يغفل عن ذلك من المشركين ، ويجوز أن يكون إقبالا على خطاب المشركين فيكون تهديدا صريحا . والمعنى : إن يشأ اللّه يعجّل بإفنائكم ويستخلف من بعدكم من يشاء ممّن يؤمن به كما قال : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] أي فما إمهاله إيّاكم إلّا لأنّه الغنيّ ذو الرّحمة . وجملة الشّرط وجوابه خبر ثالث عن المبتدأ . ومفعول : يَشَأْ محذوف على طريقته المألوفة في حذف مفعول المشيئة . والإذهاب مجاز في الإعدام كقوله : وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [ المؤمنون : 18 ] . والاستخلاف : جعل الخلف عن الشّيء ، والخلف : العوض عن شيء فائت ، فالسّين