الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

59

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإسلام وأنّ أولياءهم من شياطين الإنس والجن غير مفلتين من المؤاخذة على نبذ الإسلام . بله أتباعهم ودهمائهم . فذكر الجنّ مع الإنس في قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يوم القيامة لتبكيت المشركين وتحسيرهم على ما فرط منهم في الدّنيا من عبادة الجنّ أو الالتجاء إليهم ، على حدّ قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [ الفرقان : 17 ] وقوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] . والقصّ كالقصص : الإخبار ، ومنه القصّة للخبر ، والمعنى : يخبرونكم الأخبار الدالّة على وحدانيّة اللّه وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، فسمّى ذلك قصّا ؛ لأنّ أكثره أخبار عن صفات اللّه تعالى وعن الرّسل وأممهم وما حلّ بهم وعن الجزاء بالنّعيم أو العذاب . فالمراد من الآيات آيات القرآن والأقوال الّتي فيفهمها الجنّ بإلهام ، كما تقدّم آنفا ، ويفهمها الإنس ممّن يعرف العربيّة مباشرة ومن لا يعرف العربيّة بالتّرجمة . والإنذار : الإخبار بما يخيف ويكره ، وهو ضدّ البشارة ، وتقدّم عند قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً في سورة البقرة [ 119 ] ، وهو يتعدّى إلى مفعول بنفسه وهو الملقى إليه الخبر ، ويتعدّى إلى الشّيء المخبر عنه : بالباء ، وبنفسه ، يقال : أنذرته بكذا وأنذرته كذا ، قال تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى [ الليل : 14 ] ، فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [ فصلت : 13 ] ، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ [ الشورى : 7 ] ولمّا كان اللّقاء يوم الحشر يتضمّن خيرا لأهل الخير وشرّا لأهل الشرّ ، وكان هؤلاء المخاطبون قد تمحّضوا للشرّ ، جعل إخبار الرّسل إيّاهم بلقاء ذلك اليوم إنذارا لأنّه الطّرف الّذي تحقّق فيهم من جملة إخبار الرّسل إيّاهم ما في ذلك اليوم وشرّه . ووصف اليوم باسم الإشارة في قوله : يَوْمِكُمْ هذا لتهويل أمر ذلك بما يشاهد فيه ، بحيث لا تحيط العبارة بوصفه ، فيعدل عنها إلى الإشارة كقوله : هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ الطور : 14 ] . ومعنى قولهم : شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا الإقرار بما تضمّنه الاستفهام من إتيان الرّسل إليهم ، وذلك دليل على أن دخول حرف النّفي في جملة الاستفهام ليس المقصود منه إلّا قطع المعذرة وأنّه أمر لا يسع المسؤول نفيه ، فلذلك أجملوا الجواب : قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ، أي أقررنا بإتيان الرّسل إلينا . واستعملت الشّهادة في معنى الإقرار لأنّ أصل الشّهادة الإخبار عن أمر تحقّقه المخبر وبيّنه ، ومنه : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ