الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا من جملة المقاولة الّتي تجري يوم الحشر ، وفصلت الجملة لأنّها في مقام تعداد جرائمهم التي استحقّوا بها الخلود ، إبطالا لمعذرتهم ، وإعلانا بأنّهم محقوقون بما جزوا به ، فأعاد نداءهم كما ينادى المندّد عليه الموبّخ فيزداد روعا . والهمزة في أَ لَمْ يَأْتِكُمْ للاستفهام التّقريري ، وإنّما جعل السؤال عن نفي إتيان الرّسل إليهم لأنّ المقرّر إذا كان حاله في ملابسة المقرّر عليه حال من يظنّ به أن يجيب بالنّفي ، يؤتى بتقريره داخلا على نفي الأمر الّذي المراد إقراره بإثباته ، حتّى إذا أقرّ بإثباته كان إقراره أقطع لعذره في المؤاخذة به ، كما يقال للجاني : ألست الفاعل كذا وكذا ، وألست القائل كذا ، وقد يسلك ذلك في مقام اختبار مقدار تمكّن المسؤول المقرّر من اليقين في المقرّر عليه ، فيؤتى بالاستفهام داخلا على نفي الشّيء المقرّر عليه ، حتّى إذا كانت له شبهة فيه ارتبك وتعلثم . ومنه قوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، ولمّا كان حال هؤلاء الجنّ والإنس في التمرّد على اللّه ، ونبذ العمل الصّالح ظهريا ، والإعراض عن الإيمان ، حال من لم يطرق سمعه أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ، جيء في تقريرهم على بعثة الرّسل إليهم بصيغة الاستفهام عن نفي مجيء الرّسل إليهم ، حتّى إذا لم يجدوا لإنكار مجيء الرّسل مساغا ، واعترفوا بمجيئهم ، كان ذلك أحرى لأخذهم بالعقاب . والرّسل : ظاهره أنّه جمع رسول بالمعنى المشهور في اصطلاح الشّرع ، أي مرسل من اللّه إلى العباد بما يرشدهم إلى ما يجب عليهم : من اعتقاد وعمل ، ويجوز أن يكون جمع رسول بالمعنى اللّغوي وهو من أرسله غيره كقوله تعالى : إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [ يس : 13 ] وهم رسل الحواريين بعد عيسى . فوصف الرّسل بقوله : مِنْكُمْ لزيادة إقامة الحجّة ، أي رسل تعرفونهم وتسمعونهم ، فيجوز أن يكون ( من ) اتّصالية مثل الّتي في قولهم : لست منك ولست منّي ، وليست للتّبعيض ، فليست مثل الّتي في قوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] وذلك أنّ رسل اللّه لا يكونون إلّا من الإنس ، لأنّ مقام الرّسالة عن اللّه لا يليق أن يجعل إلّا في أشرف الأجناس من الملائكة والبشر ، وجنس الجنّ أحطّ من البشر لأنّهم خلقوا من نار . وتكون ( من ) تبعيضية ، ويكون المراد بضمير : مِنْكُمْ خصوص الإنس على طريقة التغليب ، أو عود الضّمير إلى بعض المذكور قبله كما في قوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ