الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
55
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] فأبطل ظاهر الاستثناء بقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فهذا معنى الكناية بالاستثناء ، ثمّ المصير بعد ذلك إلى الأدلّة الدّالة على أنّ خلود المشركين غير مخصوص بزمن ولا بحال . ويكون هذا الاستثناء من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تذييل ، والخطاب للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم فإن كان قوله : خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من بقية المقول لأولياء الجنّ في الحشر كان قوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ جملة معترضة بين الجمل المقولة ، لبيان أنّ ما رتّبه اللّه على الشّرك من الخلود رتّبه بحكمته وعلمه ، وإن كان قوله : خالِدِينَ إلخ كلاما مستقلا معترضا كان قوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تذييلا للاعتراض ، وتأكيدا للمقصود من المشيئة من جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطا بالموافاة على الشّرك . وجعل النّجاة من ذلك الخلود منوطة بالإيمان . والحكيم : هو الّذي يضع الأشياء في مناسباتها ، والأسباب لمسبّباتها . والعليم : الّذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقّة للثّواب والعقاب . [ 129 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 129 ] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) وهو من تمام الاعتراض ، أو من تمام التذييل ، على ما تقدّم من الاحتمالين ، الواو للحال : اعتراضيّة ، كما تقدّم ، أو للعطف على قوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأنعام : 128 ] . والإشارة إلى التولية المأخوذة من : نُوَلِّي ، وجاء اسم الإشارة بالتّذكير لأنّ تأنيث التولية لفظي لا حقيقي ، فيجوز في إشارته ما جاز في فعله الرافع للظّاهر ، والمعنى : وكما ولّينا ما بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم نولّي بين الظّالمين كلّهم بعضهم مع بعض . والتولية يجيء من الولاء ومن الولاية ، لأنّ كليهما يقال في فعله المتعدّي : ولّى ، بمعنى جعل وليا ، فهو من باب أعطى يتعدّى إلى مفعولين ، كذا فسّروه ، وظاهر كلامهم أنّه يقال : ولّيت ضبّة تميما إذا حالفت بينهم ، وذلك أنّه يقال : تولّت ضبة تميما بمعنى حالفتهم ، فإذا عدّي الفعل بالتضعيف قيل : ولّيت ضبة تميما ، فهو من قبيل قوله : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى [ النساء : 115 ] أي نلزمه ما ألزم نفسه فيكون معنى : نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً نجعل بعضهم أولياء بعض ، ويكون ناظرا إلى قوله : وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ [ الأنعام : 128 ] . وجعل الفريقين ظالمين لأنّ الذي يتولّى قوما يصير منهم ، فإذا جعل اللّه فريقا أولياء