الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 127 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 127 ] لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) الضّمير في : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد إلى لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [ الأنعام : 126 ] . والجملة إمّا مستأنفة استئنافا بيانيا : لأنّ الثّناء عليهم بأنّهم فصّلت لهم الآيات ويتذكّرون بها يثير سؤال من يسأل عن أثر تبيين الآيات لهم وتذكّرهم بها ، فقيل : لَهُمْ دارُ السَّلامِ . وإمّا صفة : لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [ الأنعام : 126 ] . وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص للقوم الذين يذكّرون لا لغيرهم . والدّار : مكان الحلول والإقامة ، ترادف أو تقارب المحلّ من الحلول ، وهو مؤنّث تقديرا فيصغّر على دويرة . والدّار مشتقّة من فعل دار يدور لكثرة دوران أهلها ، ويقال لها : دارة ، ولكن المشهور في الدارة أنّها الأرض الواسعة بين جبال . والسّلام : الأمان ، والمراد به هنا الأمان الكامل الّذي لا يعتري صاحبه شيء ممّا يخاف من الموجودات جواهرها وأعراضها ، فيجوز أن يراد بدار السّلام الجنّة سمّيت دار السّلام لأنّ السّلامة الحقّ فيها ، لأنّها قرار أمن من كلّ مكروه للنّفس ، فتمحّضت للنّعيم الملائم ، وقيل : السّلام ، اسم من أسماء اللّه تعالى ، أي دار اللّه تعظيما لها كما يقال للكعبة : بيت اللّه ، ويجوز أن يراد مكانة الأمان عند اللّه ، أي حالة الأمان من غضبه وعذابه ، كقول النّابغة : كم قد أحلّ بدار الفقر بعد غنى * عمرو وكم راش عمرو بعد إقتار و عِنْدَ مستعارة للقرب الاعتباري ، أريد به تشريف الرتبة كما دلّ عليه قوله عقبه : وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ، ويجوز أن تكون مستعارة للحفظ لأنّ الشيء النّفيس يجعل في مكان قريب من صاحبه ليحفظه ، فيكون المعنى تحقيق ذلك لهم ، وأنّه وعد كالشّيء المحفوظ المدّخر ، كما يقال : إن فعلت كذا فلك عندي كذا تحقيقا للوعد . والعدول عن إضافة عِنْدَ لضمير المتكلّم إلى إضافته للاسم الظاهر : لقصد تشريفهم بأنّ هذه عطيّة من هو مولاهم . فهي مناسبة لفضله وبرّه بهم ورضاه عنهم كعكسه المتقدّم آنفا في قوله تعالى : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] . وعطف على جملة : لَهُمْ دارُ السَّلامِ جملة : وَهُوَ وَلِيُّهُمْ تعميما لولاية اللّه