الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
41
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . اعتراض للردّ على قولهم : حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك . فعلى الوجه الأوّل : في معنى قولهم : حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يكون قوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ردّا بأنّ اللّه أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسل إليهم ؛ فتكون حَيْثُ مجازا في المكان الاعتباري للمعجزة ، وهم القوم الذين يظهرها أحد منهم ، جعلوا كأنّهم مكان لظهور المعجزة . والرّسالات مطلقة على المعجزات لأنّها شبيهة برسالة يرسلها اللّه إلى النّاس ، وقريب من هذا قول علماء الكلام : وجه دلالة المعجزة على صدق الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم أنّ المعجزة قائمة مقام قول اللّه : « صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني » ، بأمارة أنّي أخرق العادة دليلا على تصديقه . وعلى الوجه الثّاني : في معنى قولهم : حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ، يكون قوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ردّا عليهم بأنّ الرّسالة لا تعطى بسؤال سائلها ، مع التّعريض بأنّ أمثالهم ليسوا بأهل لها ، فما صدق حَيْثُ الشّخص الّذي اصطفاه اللّه لرسالته . و حَيْثُ هنا اسم دالّ على المكان مستعارة للمبعوث بالرّسالة ، بناء على تشبيه الرّسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة ، على طريقة الاستعارة المكنيّة . وإثبات المكان تخييل ، وهو استعارة أخرى مصرّحة بتشبيه الرّسل بمكان إقامة الرّسالة . وليست حَيْثُ هنا ظرفا بل هي اسم للمكان مجرّد عن الظرفية ، لأنّ حَيْثُ ظرف متصرّف ، على رأي المحقّقين من النّحاة ، فهي هنا في محلّ نصب بنزع الخافض وهو الباء ، لأن أَعْلَمُ اسم تفضيل لا ينصب المفعول ، وذلك كقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 117 ] كما تقدّم آنفا . وجملة يَجْعَلُ رِسالَتَهُ صفة ل حَيْثُ إذا كانت حَيْثُ مجرّدة عن الظرفية . ويتعيّن أن يكون رابط جملة الصّفة بالموصوف محذوفا ، والتّقدير : حيث يجعل فيه رسالاته . وقد أفادت الآية : أنّ الرّسالة ليست ممّا ينال بالأماني ولا بالتشهّي ، ولكن اللّه يعلم من يصلح لها ومن لا يصلح ، ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله لأرسله ، فإنّ النّفوس