الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

39

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشركين على النّاس في صرفهم عن النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم وعن متابعة الإسلام ، قال مجاهد : كانوا جلسوا على كلّ عقبة ينفّرون النّاس عن اتّباع النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم . وقد حذف متعلّق : لِيَمْكُرُوا لظهوره ، أي ليمكروا بالنّبيء عليه الصلاة والسلام ظنّا منهم بأنّ صدّ النّاس عن متابعته يضرّه ويحزنه ، وأنّه لا يعلم بذلك ، ولعلّ هذا العمل منهم كان لما كثر المسلمون في آخر مدّة إقامتهم بمكّة قبيل الهجرة إلى المدينة ، ولذلك قال اللّه تعالى : وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ، فالواو للحال ، أي هم في مكرهم ذلك إنّما يضرّون أنفسهم ، فأطلق المكر على مآله وهو الضرّ ، على سبيل المجاز المرسل ، فإنّ غاية المكر ومآله إضرار الممكور به ، فلمّا كان الإضرار حاصلا للماكرين دون الممكور به أطلق المكر على الإضرار . وجيء بصيغة القصر : لأنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لا يلحقه أذى ولا ضرّ من صدّهم النّاس عن اتّباعه ، ويلحق الضرّ الماكرين ، في الدّنيا : بعذاب القتل والأسر ، وفي الآخرة : بعذاب النّار ، إن لم يؤمنوا فالضرّ انحصر فيهم على طريقة القصر الإضافي ، وهو قصر قلب . وقوله : وَما يَشْعُرُونَ جملة حال ثانية ، فهم في حالة مكرهم بالنّبيء متّصفون بأنّهم ما يمكرون إلّا بأنفسهم وبأنّهم ما يشعرون بلحاق عاقبة مكرهم بهم ، والشّعور : العلم . [ 124 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 124 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ . عطف على جملة : جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها [ الأنعام : 123 ] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة ، وهم المقصود من التّشبيه في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها . ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم ، فالضّمير المنصوب في قوله : جاءَتْهُمْ عائد إلى أَكابِرَ مُجْرِمِيها [ الأنعام : 123 ] ، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم ، إذ ليس قول : لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى .