الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تحذير من التشبّه بالمشركين في تحريم بعض الأنعام على بعض أصناف النّاس . وهو عطف على جملة : وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، ويجوز أن يكون الواو للحال ، فيكون الكلام تعريضا بالحذر من أن يكونوا من جملة من يضلّهم أهل الأهواء بغير علم . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب : لَيُضِلُّونَ - بفتح الياء - على أنّهم ضالّون في أنفسهم ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف : - بضمّ الياء - على معنى أنّهم يضلّلون النّاس ، والمعنى واحد ، لأنّ الضالّ من شأنه أن يضلّ غيره ، ولأنّ المضلّ لا يكون في الغالب إلّا ضالا ، إلّا إذا قصد التّغرير بغيره . والمقصود التّحذير منهم وذلك حاصل على القراءتين . والباء في بِأَهْوائِهِمْ للسببيّة على القراءتين . والباء في بِغَيْرِ عِلْمٍ للملابسة ، أي يضلّون منقادين للهوى ، ملابسين لعدم العلم . والمراد بالعلم : الجزم المطابق للواقع عن دليل ، وهذا كقوله تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الأنعام : 116 ] . ومن هؤلاء قادة المشركين في القديم ، مثل عمرو بن لحيّ ، أوّل من سنّ لهم عبادة الأصنام وبحّر البحيرة وسيّب السائبة وحمى الحامي ، ومن بعده مثل الّذين قالوا : ( ما قتل اللّه أولى بأن نأكله ممّا قتلنا بأيدينا ) . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ تذييل ، وفيه إعلام للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بتوعّد اللّه هؤلاء الضالّين المضلين ، فالإخبار بعلم اللّه بهم كناية عن أخذه إيّاهم بالعقوبة وأنّه لا يفلتهم ، لأنّ كونه عالما بهم لا يحتاج إلى الإخبار به . وهو وعيد لهم أيضا ، لأنّهم يسمعون القرآن ويقرأ عليهم حين الدّعوة . وذكر المعتدين ، عقب ذكر الضالّين ، قرينة على أنّهم المراد وإلّا لم يكن لانتظام الكلام مناسبة ، فكأنّه قال : إنّ ربّك هو أعلم بهم وهم معتدون ، وسمّاهم اللّه معتدين . والاعتداء : الظلم ، لأنّهم تقلّدوا الضّلال من دون حجّة ولا نظر ، فكانوا معتدين على أنفسهم ، ومعتدين على كلّ من دعوه إلى موافقتهم . وقد أشار هذا إلى أنّ كلّ من تكلّم في الدّين بما لا يعلمه ، أو دعا النّاس إلى شيء لا يعلم أنّه حق أو باطل ، فهو معتد ظالم لنفسه وللنّاس ، وكذلك كلّ ما أفتى وليس هو بكفء للإفتاء . [ 120 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 120 ] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 )