الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الكلب والصقر حلال وما قتله اللّه حرام » فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء وفي « سنن التّرمذي » ، عن ابن عبّاس قال : « أتى أناس النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل اللّه » فأنزل اللّه : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 118 ] الآية . قال التّرمذي : هذا حديث حسن غريب . فمن هذا ونحوه حذّر اللّه المسلمين من هؤلاء ، وثبّتهم على أنّهم على الحقّ ، وإن كانوا قليلا . كما تقدّم في قوله : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ المائدة : 100 ] . والطاعة : اسم للطّوع الّذي هو مصدر طاع يطوع ، بمعنى انقاد وفعل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة ، فالطاعة ضدّ الكره . ويقال : طاع وأطاع ، وتستعمل مجازا في قبول القول ، ومنه ما جاء في الحديث : « فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم زكاة أموالهم » ، ومنه قوله تعالى : وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] أي يقبل قوله ، وإلّا فإنّ المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنّه يمتثل إليه . والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول . و أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ هم أكثر سكّان الأرض . والأرض : يطلق على جميع الكرة الأرضية الّتي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنّبات ، وهي الدّنيا كلّها . ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضيّة معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى : وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ [ الإسراء : 104 ] يعني الأرض المقدّسة ، وقوله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [ المائدة : 33 ] أي الأرض الّتي حاربوا اللّه فيها . والأظهر أنّ المراد في الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في القرآن . وقيل : أريد بها مكّة لأنّها الأرض المعهودة للرّسول عليه الصلاة والسلام . وأيّا ما كان فأكثر من في الأرض ضالّون مضلّون : أمّا الكرة الأرضية فلأنّ جمهرة سكّانها أهل عقائد ضالّة ، وقوانين غير عادلة . فأهل العقائد الفاسدة : في أمر الإلهيّة : كالمجوس ، والمشركين ، وعبدة الأوثان ، وعبدة الكواكب ، والقائلين بتعدّد الإله ؛ وفي أمر النّبوّة : كاليهود والنّصارى ؛ وأهل القوانين الجائرة من الجميع . وكلّهم إذا أطيع إنّما يدعو إلى دينه ونحلته ، فهو مضلّ عن سبيل اللّه ، وهم متفاوتون في هذا الضّلال كثرة وقلّة ، واتّباع شرائعهم لا يخلو من ضلال وإن كان في بعضها بعض من الصّواب . والقليل من النّاس من هم أهل هدى ، وهم يومئذ