الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
148
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقيّم - بفتح القاف وتشديد الياء - كما قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ويعقوب : وصف مبالغة قائم بمعنى معتدل غير معوج ، وإطلاق القيام على الاعتدال والاستقامة مجاز ، لأنّ المرء إذا قام اعتدلت قامته ، فيلزم الاعتدال القيام . والأحسن أن نجعل القيم للمبالغة في القيام بالأمر ، وهو مرادف القيّوم ، فيستعار القيام للكفاية بما يحتاج إليه والوفاء بما فيه صلاح المقوّم عليه ، فالإسلام قيّم بالأمّة وحاجتها ، يقال : فلان قيّم على كذا ، بمعنى مدبّر له ومصلح ، ومنه وصف اللّه تعالى بالقيّوم ، وهذا أحسن لأنّ فيه زيادة على مفاد مستقيم الذي أخذ جزءا من التّمثيليّة ، فلا تكون إعادة لبعض التّشبيه . وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، والكسائي ، وخلف : قِيَماً - بكسر القاف وفتح الياء مخفّفة - وهو من صيغ مصادر قام ، فهو وصف للدّين بمصدر القيام المقصود به كفاية المصلحة للمبالغة ، وهذه زنة قليلة في المصادر ، وقلب واوه ياء بعد الكسرة على غير الغالب : لأنّ الغالب فيه تصحيح لامه لأنّها مفتوحة ، فسواء في خفّتها وقوعها على الواو أو على الياء ، مثل عوض وحول ، وهذا كشذوذ جياد جمع جواد ، وانتصب قِيَماً على الوصف ل دِيناً . وقوله : مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حال من : دِيناً أو من : صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أو عطف بيان على دِيناً . والملّة ، الدّين : فهي مرادفة الدين ، فالتّعبير بها هنا للتّفنّن ألا ترى إلى قوله تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ [ البقرة : 132 ] . و مِلَّةَ فعلة بمعنى المفعول ، أي المملول ، من أمللت الكتاب إذا لقّنت الكاتب ما يكتب ، وكان حقّها أن لا تقترن بهاء التّأنيث لأنّ زنة ( فعل ) بمعنى المفعول تلزم التّذكير ، كالذّبح ، إلّا أنّهم قرنوها بهاء التّأنيث لما صيّروها اسما للدّين ، ولذلك قال الرّاغب : الملّة كالدّين ، ثمّ قال : « والفرق بينها وبين الدّين أنّ الملّة لا تضاف إلّا إلى النّبيء الذي تسند إليه نحو ملّة إبراهيم ، ملّة آبائي ، ولا توجد مضافة إلى اللّه ولا إلى آحاد الأمّة ، ولا تستعمل إلّا في جملة الشّريعة دون آحادها لا يقال الصّلاة ملّة اللّه » أي ويقال : الصّلاة دين اللّه ذلك أنّه يراعى في لفظ الملّة أنّها مملول من اللّه فهي تضاف للّذي أملّت عليه . ومعنى كون الإسلام ملّة إبراهيم : أنّه جاء بالأصول التي هي شريعة إبراهيم وهي : التّوحيد ، ومسايرة الفطرة ، والشّكر ، والسّماحة ، وإعلان الحقّ ، وقد بيّنت ذلك عند قوله