الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

144

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يبقى أمرهم إلى اللّه مدّة . وذلك هو الإمهال والإملاء لهم ، ثمّ يعاقبهم ، فأطلق الإنباء على العقاب ، لأنّه إن كان العقاب عقاب الآخرة فهو يتقدّمه الحساب ، وفيه إنباء الجاني بجنايته وبأنّه مأخوذ بها ، فإطلاق الإنباء عليه حقيقة مراد معها لازمه على وجه الكناية ، وإن كان العقاب عقاب الدّنيا فإطلاق الإنباء عليه مجاز ، لأنّه إذا نزل بهم العذاب بعد الوعيد علموا أنّه العقاب الموعود به ، فكان حصول ذلك العلم لهم عند وقوعه شبيها بحصول العلم الحاصل عن الإخبار فأطلق عليه الإنباء ، فيكون قوله : يُنَبِّئُهُمْ بمعنى يعاقبهم بما كانوا يفعلون . ووصف المشركين بأنّهم فرّقوا دينهم وكانوا شيعا : يؤذن بأنّه وصف شنيع ، إذ ما وصفهم اللّه به إلّا في سياق الذم ، فيؤذن ذلك بأنّ اللّه يحذّر المسلمين من أن يكونوا في دينهم كما كان المشركون في دينهم ، ولذلك قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ - إلى قوله - أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] . وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها ، كما فعل بعض العرب من منعهم الزّكاة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة . وأمّا تفريق الآراء في التّعليلات والتّبيينات فلا بأس به ، وهو من النّظر في الدّين : مثل الاختلاف في أدلّة الصّفات ، وفي تحقيق معانيها ، مع الاتّفاق على إثباتها . وكذلك تفريق الفروع : كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء ، مع الاتّفاق على صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها . كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب . والحاصل أنّ كلّ تفريق لا يكفّر به بعض الفرق بعضا ، ولا يفضي إلى تقاتل وفتن ، فهو تفريق نظر واستدلال وتطلّب للحقّ بقدر الطّاقة وكلّ تفريق يفضي بأصحابه إلى تكفير بعضهم بعضا ، ومقاتلة بعضهم بعضا في أمر الدّين ، فهو ممّا حذّر اللّه منه ، وأمّا ما كان بين المسلمين نزاعا على الملك والدّنيا فليس تفريقا في الدّين ، ولكنّه من الأحوال التي لا تسلم منها الجماعات . وقرأه الجمهور : فَرَّقُوا - بتشديد الراء - وقرأه حمزة ، والكسائي : فارقوا - بألف بعد الفاء - أي تركوا دينهم ، أي تركوا ما كان دينا لهم ، أي لجميع العرب ، وهو الحنيفية فنبذوها وجعلوها عدّة نحل . ومآل القراءتين واحد . [ 160 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 160 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 )