الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

140

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الآيات ، ولا ما يقوم مقام اكتساب الخير عند اللّه ، وهو ما منّ به على هذه الأمّة من غفران السيّئات عند التّوبة ، فالعزم على الخير هو التّوبة ، أي العزم على اكتساب الخير ، فوقع في الكلام إيجاز حذف اعتمادا على القرينة الواضحة . والتّقدير : لا ينفع نفسا غير مؤمنة إيمانها أو نفسا لم تكن كسبت خيرا في إيمانها من قبل كسبها ، يعني أو ما يقوم مقام كسب الخير ، مثل التّوبة فإنّها بعض اكتساب الخير ، وليس المراد أنّه لا ينفع نفسا مؤمنة إيمانها إذا لم تكن قد كسبت خيرا بحيث يضيع الإيمان إذا لم يقع اكتساب الخير ، لأنّه لو أريد ذلك لما كانت فائدة للتّقسيم ، ولكفى أن يقال لا ينفع نفسا إيمانها لم تكسب خيرا ، ولأنّ الأدلّة القطعية ناهضة على أن الإيمان الواقع قبل مجيء الآيات لا يدحض إذا فرّط صاحبه في شيء من الأعمال الصّالحة ، ولأنّه لو كان كذلك وسلّمناه لما اقتضى أكثر من أنّ الّذي لم يفعل شيئا من الخير عدا أنّه آمن لا ينفعه إيمانه ، وذلك إيجاد قسم لم يقل به أحد من علماء الإسلام . وبذلك تعلم أنّ الآية لا تنهض حجّة للمعتزلة ولا الخوارج الذين أوجبوا خلود مرتكب الكبيرة غير التّائب في النّار ، والتّسوية بينه وبين الكافر ، وإن كان ظاهرها قبل التأمّل يوهم أنّها حجّة لهم ، ولأنّه لو كان الأمر كما قالوا لصار الدّخول في الإيمان مع ارتكاب كبيرة واحدة عبثا لا يرضاه عاقل لنفسه ، لأنّه يدخل في كلفة كثير من الأعمال بدون جدوى عليه منها ، ولكان أهون الأحوال على مرتكب الكبيرة أن يخلع ربقة الإيمان إلى أن يتوب من الأمرين جميعا . وسخافة هذا اللازم لأصحاب هذا المذهب سخافة لا يرضاها من له نظر ثاقب . والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحدّ الذي ينتهي عنده الانتفاع بتحصيل الإيمان وتحصيل أعمال الخير ، أجدى من الخوض في لوازم معانيها من اعتبار الأعمال جزءا من الإيمان ، لا سيّما مع ما في أصل المعنى من الاحتمال المسقط للاستدلال . فصفة : لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ تحذير للمشركين من التريّث عن الإيمان خشية أن يبغتهم يوم ظهور الآيات ، وهم المقصود من السّياق . وصفة أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً إدماج في أثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن الأعمال الصّالحة . ثمّ إنّ أقوال المفسرين السّالفين ، في تصوير هذين القسمين ، تفرّقت تفرّقا يؤذن باستصعاب استخلاص مقصود الآية من ألفاظها ، فلم تقارب الإفصاح بعبارة بيّنة ، ويجمع ذلك ثلاثة أقوال :