الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
137
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن جملة : سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا [ الأنعام : 157 ] لإثارته سؤال سائل يقول : متى يكون جزاؤهم ، وإن كان تهكّما بهم على صدفهم عن الآيات التي جاءتهم ، وتطلّعهم إلى آيات أعظم منها في اعتقادهم ، فهو ناشئ عن جملة : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها [ الأنعام : 157 ] لأنّه يثير سؤال سائل يقول : ما ذا كانوا يترقّبون من الآيات فوق الآيات التي جاءتهم . و هَلْ للاستفهام الإنكاري ، وهي ترد له كما ترد له الهمزة على التّحقيق ، ولذلك جاء بعده الاستثناء . و يَنْظُرُونَ مضارع نظر بمعنى انتظر ، وهو مشترك مع نظر بمعنى رأى في الماضي والمضارع والمصدر ، ويخالفه في التّعدية ، ففعل نظر العين متعدّ بإلى ، وفعل الانتظار متعدّ بنفسه ، ويخالفه أيضا في أنّ له اسم مصدر وهو النظرة - بكسر الظاء - ولا يقال ذلك في النّظر بالعين . والضّمير عائد للّذين يصدفون عن الآيات . ثمّ إن كان الانتظار واقعا منهم على أنّه انتظار آيات ، كما يقترحون ، فمعنى الحصر : أنّهم ما ينتظرون بعد الآيات التي جاءتهم ولم يقتنعوا بها إلّا الآيات التي اقترحوها وسألوها وشرطوا أن لا يؤمنوا حتّى يجاءوا بها ، وهي ما حكاه اللّه عنهم بقوله : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى قوله - أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 90 - 92 ] - وقوله - وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [ الأنعام : 8 ] فهم ينتظرون بعض ذلك بجدّ من عامتهم ، فالانتظار حقيقة ، وبسخرية من قادتهم ومضلّليهم ، فالانتظار مجاز بالصّورة ، لأنّهم أظهروا أنفسهم في مظهر المنتظرين ، كقوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا [ التوبة : 64 ] الآية . والمراد ببعض آيات ربّك : ما يشمل ما حكي عنهم بقوله : حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى قوله - حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء : 90 - 93 ] . وفي قوله : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ - إلى قوله - فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الأنعام : 8 - 10 ] فالكلام تهكّم بهم وبعقائدهم . وإن كان الانتظار غير واقع بجدّ ولا بسخرية فمعناه أنّهم ما يترقّبون شيئا من الآيات يأتيهم أعظم ممّا أتاهم ، فلا انتظار لهم ، ولكنّهم صمّموا على الكفر واستبطنوا العناد ، فإن فرض لهم انتظار فإنّما هو انتظار ما سيحل بهم من عذاب الآخرة أو عذاب الدّنيا أو ما هو برزخ بينهما ، فيكون الاستثناء تأكيدا للشّيء بما يشبه ضدّه . والمراد : أنّهم لا ينتظرون