الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
134
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للإيجاز فلذلك يقدّر مضاف مثل : كراهية أو تجنّب . وعلى هذا التّقدير جرى نحاة البصرة . وذهب نحاة الكوفة إلى أنّه على تقدير ( لا ) النّافية ، فالتّقدير عندهم : أن لا تقولوا ، والمآل واحد ونظائر هذا في القرآن كثيرة كقوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] - وقوله : - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 55 ، 56 ] - وقوله : - وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ * [ النحل : 15 ] أي لتجنّب ميدها بكم ، وقول عمرو بن كلثوم : فعجّلنا القرى أن تشتمونا وهذا القول يجوز أن يكون قد صدر عنهم من قبل ، فقد جاء في آية سورة القصص [ 48 ] : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ، ويجوز أن يكون متوقّعا ثمّ قالوه من بعد ، وأيّا ما كان فإنّه متوقّع أن يكرّروه ويعيدوه قولا موافقا للحال في نفس الأمر ، فكان متوقّعا صدوره عندما يتوجّه الملام عليهم في انحطاطهم عن مجاوريهم من اليهود والنّصارى من حيث استكمال الفضائل وحسن السّير وكمال التديّن ، وعند سؤالهم في الآخرة عن اتّباع ضلالهم ، وعندما يشاهدون ما يناله أهل الملل الصّالحة من النّعيم ورفع الدّرجات في ثواب اللّه فيتطلّعون إلى حظّ من ذلك ويتعلّلون بأنّهم حرموا الإرشاد في الدّنيا . وقد كان اليهود والنّصارى في بلاد العرب على حالة أكمل من أحوال أهل الجاهليّة ، ألا ترى إلى قول النّابغة يمدح آل النّعمان بن الحارث ، وكانوا نصارى : مجلّتهم ذات الإله ودينهم * قويم فما يرجون غير العواقب ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده * ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب والطائفة : الجماعة من النّاس الكثيرة ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ في سورة النّساء [ 102 ] ، والمراد بالطّائفتين هنا اليهود والنّصارى . والكتاب مراد به الجنس المنحصر في التّوراة والإنجيل والزّبور . ومعنى إنزال الكتاب عليهم أنّهم خوطبوا بالكتب السّماوية التي أنزلت على أنبيائهم فلم يكن العرب مخاطبين بما أنزل على غيرهم ، فهذا تعلّل أول منهم ، وثمة اعتلال آخر عن الزّهادة في التخلّق بالفضائل والأعمال الصالحة : وهو قولهم : وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ، أي