الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
130
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والضّمير المضاف إليه في : سَبِيلِهِ يعود إلى اللّه تعالى بقرينة المقام ، فإذا كان ضمير المتكلّم في قوله : صِراطِي عائدا للّه كان في ضمير سَبِيلِهِ التفاتا عن سبيلي . روى النّسائي في « سننه » ، وأحمد ، والدارمي في « مسنديهما » ، والحاكم في « المستدرك » ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : خطّ لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يوما خطّا ثمّ قال : هذا سبيل اللّه ، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ( أي عن يمين الخطّ المخطوط أوّلا وعن شماله ) ثمّ قال : « هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليها » ثمّ قرأ : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . وروى أحمد ، وابن ماجة ، وابن مردويه ، عن جابر بن عبد اللّه قال : « كنّا عند النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم فخطّ خطّا وخطّ خطّين عن يمينه وخطّ خطّين عن يساره ثمّ وضع يده في الخطّ الأوسط ( أي الذي بين الخطوط الأخرى ) فقال : هذه سبيل اللّه ، ثم تلا هذه الآية : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » وما وقع في الرّواية الأولى ( وخطّ خطوطا ) هو باعتبار مجموع ما على اليمين والشّمال . وهذا رسمه على سبيل التّقريب : وقوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تذييل تكرير لمثليه السّابقين ، فالإشارة ب ذلِكُمْ إلى الصّراط ، والوصاية به معناها الوصاية بما يحتوي عليه . وجعل الرّجاء للتّقوى لأنّ هذه السّبيل تحتوي على ترك المحرّمات ، وتزيد بما تحتوي عليه من فعل الصّالحات ، فإذا اتّبعها السّالك فقد صار من المتّقين أي الذين اتّصفوا بالتّقوى بمعناها الشّرعي كقوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . [ 154 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 154 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) ثُمَّ هنا عاطفة على جملة : قُلْ تَعالَوْا [ الأنعام : 151 ] فليست عاطفة للمفردات ، فلا يتوهّم أنّها لتراخي الزّمان ، بل تنسلخ عنه حين تعطف الجمل فتدل على التّراخي في الرّتبة ، وهو مهلة مجازيّة ، وتلك دلالة ( ثم ) إذا عطفت الجمل . وقد استصعب على بعض المفسّرين مسلك ( ثمّ ) في هذه الآية لأنّ إتيان موسى عليه السّلام الكتاب ليس برتبة أهمّ