الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

120

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عدّدت منهيات كثيرة تشابه آيات هذه السورة وهي قوله : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا وليس يلزم أن يكون المراد بالآيات المتماثلة واحدا . وتقدّم القول في : ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ عند قوله تعالى : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ في هذه السّورة [ 120 ] . وأعقب ذلك بالنّهي عن قتل النّفس ، وهو من الفواحش على تفسيرها بالأعمّ ، تخصيصا له بالذّكر : لأنّه فساد عظيم ، ولأنّه كان متفشيا بين العرب . والتّعريف في النّفس تعريف الجنس ، فيفيد الاستغراق . ووصفت ب الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تأكيدا للتّحريم بأنّه تحريم قديم فإنّ اللّه حرّم قتل النّفس من عهد آدم ، وتعليق التّحريم بالنّفس : هو على وجه دلالة الاقتضاء ، أي حرّم اللّه قتلها على ما هو المعروف في تعليق التّحريم والتّحليل بأعيان الذّوات أنّه يراد تعليقه بالمعنى الذي تستعمل تلك الذّات فيه كقوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [ المائدة : 1 ] أي ، أكلها ، ويجوز أن يكون معنى : حَرَّمَ اللَّهُ جعلها اللّه حرما أي شيئا محترما لا يعتدى عليه ، كقوله تعالى : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها [ النمل : 91 ] . وفي الحديث : « وإنّي أحرّم ما بين لابتيها » . وقوله : إِلَّا بِالْحَقِّ استثناء مفرّغ من عموم أحوال ملابسة القتل ، أي لا تقتلوها في أيّة حالة أو بأي سبب تنتحلونه إلّا بسبب الحقّ ، فالباء للملابسة أو السببيّة . والحقّ ضدّ الباطل ، وهو الأمر الذي حقّ ، أي ثبت أنّه غير باطل في حكم الشّريعة وعند أهل العقول السّليمة البريئة من هوى أو شهوة خاصّة ، فيكون الأمر الذي اتّفقت العقول على قبوله ، وهو ما اتّفقت عليه الشّرائع ، أو الذي اصطلح أهل نزعة خاصّة على أنّه يحقّ وقوعه وهو ما اصطلحت عليه شريعة خاصّة بأمّة أو زمن . فالتّعريف في : الحق للجنس ، والمراد به ما يتحقّق فيه ماهية الحقّ المتقدّم شرحها ، وحيثما أطلق في الإسلام فالمراد به ماهيته في نظر الإسلام ، وقد فصّل الإسلام حقّ قتل النّفس بالقرآن والسنّة ، وهو قتل المحارب والقصاص ، وهذان بنصّ القرآن ، وقتل المرتدّ عن الإسلام بعد استتابته ، وقتل الزّاني المحصن ، وقتل الممتنع من أداء الصّلاة بعد انظاره حتّى يخرج وقتها ، وهذه الثّلاثة وردت بها أحاديث عن النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، ومنه القتل الناشئ عن إكراه ودفاع مأذون فيه شرعا وذلك قتل من يقتل من البغاة وهو بنصّ