الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
خبر على إنشاء ، أي بيّن لهم ما حرّم في الإسلام ، واذكر لهم ما حرّمنا على الّذين هادوا قبل الإسلام ، والمناسبة أنّ اللّه لمّا أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يبيّن ما حرّم اللّه أكله من الحيوان ، وكان في خلال ذلك تنبيه على أنّ ما حرّمه اللّه خبيث بعضه لا يصلح أكله بالأجساد الّذي قال فيه فَإِنَّهُ رِجْسٌ [ الأنعام : 145 ] ، ومنه ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو الّذي قال فيه : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] أعقب ذلك بذكر ما حرّمه على بني إسرائيل تحريما خاصّا لحكمة خاصّة بأحوالهم ، وموقّتة إلى مجيء الشّريعة الخاتمة . والمقصود من ذكر هذا الأخير : أن يظهر للمشركين أنّ ما حرّموه ليس من تشريع اللّه في الحال ولا فيما مضى ، فهو ضلال بحت . وتقديم المجرور على متعلّقة في قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا لإفادة الاختصاص ، أي عليهم لا على غيرهم من الأمم . والظفر : العظم الذي تحت الجلد في منتهى أصابع الإنسان والحيوان والمخالب ، وهو يقابل الحافر والظلف ويكون للإبل والسّبع والكلب والهرّ والأرنب والوبر ونحوها ؛ فهذه محرّمة على اليهود بنص شريعة موسى عليه السّلام ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر التّثنية : « الجمل والأرنب والوبر فلا تأكلوها » . والشّحوم : جمع شحم ، وهو المادّة الدهنية التي تكون مع اللّحم في جسد الحيوان ، وقد أباح اللّه لليهود أكل لحوم البقر والغنم وحرم عليهم شحومهما إلّا ما كان في الظهر . و الْحَوايا معطوف على ظُهُورُهُما . فالمقصود العطف على المباح لا على المحرّم ، أي : أو ما حملت الحوايا ، وهي جمع حويّة ، وهي الأكياس الشّحميّة التي تحوي الأمعاء . أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ هو الشّحم الذي يكون ملتفّا على عظم الحيوان من السّمن فهو معفو عنه لعسر تجريده عن عظمه . والظّاهر أنّ هذه الشّحوم كانت محرّمة عليهم بشريعة موسى عليه السّلام ، فهي غير المحرّمات التي أجملتها آية سورة النّساء [ 160 ] بقوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، كما أشرنا إليه هنالك لأنّ الجرائم التي عدّت عليهم هنالك كلّها ممّا أحدثوه بعد موسى عليه السّلام . فقوله تعالى : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يراد منه البغي الذي أحدثوه زمن موسى . في مدّة التيه ، ممّا أخبر اللّه به عنهم : مثل قولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ البقرة : 61 ] وقولهم : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] وعبادتهم العجل . وقد عدّ عليهم كثير من ذلك في سورة البقرة .