الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يكون إلّا بما تجرّه إلى نفسها من سوء فعلها ، بخلاف فناء الأفراد فإنه نهاية محتّمة ولو استقام المرء طول حياته ، لأنّ تركيب الحيوان مقتض للانتهاء بالفناء عند عجز الأعضاء الرئيسية عن إمداد البدن بمواد الحياة فلا يكون عقابا إلّا فيما يحفّ به من أحوال الخزي للهالك . والذنوب هنا هي الكفر وتكذيب الرسل ونحو ذلك ممّا دلّ عليه التنظير بحال الذين قال اللّه فيهم هنا : بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ، وما قاله بعد ذلك وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية . وقوله : وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ : الإنشاء الإيجاد المبتكر ، قال تعالى : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً . والمراد به إنشاؤهم بتلك الصفات التي كان القرن الذين من قبلهم من التمكين في الأرض والإسعاف بالخصب ، فخلفوا القرن المنقرضين سواء كان إنشاؤهم في ديار القوم الذين هلكوا ، كما أنشأ قريشا في ديار جرهم ، أم في ديار أخرى كما أنشأ اللّه ثمودا بعد عاد في منازل أخرى . والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأنّ اللّه مهلكهم ومنشئ من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم . ففيه نذارة بفتح مكّة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين . وليس المراد بالإنشاء الولادة والخلق ، لأنّ ذلك أمر مستمرّ في البشر لا ينتهي ، وليس فيه عظة ولا تهديد لجبابرة المشركين . وأفرد قَرْناً مع أنّ الفعل الناصب له مقيّد بأنّه من بعد جمع القرون ، على تقدير مضاف ، أي أنشأنا من بعد كلّ قرن من المهلكين قرنا آخرين . [ 7 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 7 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) يجوز أن تكون الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إلخ ، وما بينهما جملا تعلّقت بالجملة الأولى على طريقة الاعتراض ، فلمّا ذكر الآيات في الجملة الأولى على وجه العموم ذكر هنا فرض آية تكون أوضح الآيات دلالة على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي أن ينزّل اللّه عليه كتابا من السماء على صورة الكتب المتعارفة ، فرأوه بأبصارهم ولمسوه بأيديهم لمّا آمنوا ولادّعوا أنّ ذلك الكتاب سحر . ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير كَذَّبُوا في قوله : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا