الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

20

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة : مَكَّنَّاهُمْ صفة ل قَرْنٍ وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع . ومعنى : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ثبّتناهم وملّكناهم ، وأصله مشتقّ من المكان . فمعنى مكّنه ومكّن له ، وضع له مكانا . قال تعالى : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً . ومثله قولهم : أرض له . ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف ، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر . ويقال : هو مكين بمعنى ممكّن ، فعيل بمعنى مفعول . قال تعالى : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ فهو كناية أيضا بمرتبة ثانية ، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي . والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأسباب الدنيا ، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال ، قال تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ، وقال : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ الآية . فمعنى مكّنه : جعله متمكّنا ومعنى مكّن له : جعله متمكّنا لأجله ، أي رعيا له ، مثل حمده وحمد له ، فلم تزده اللام ومجرورها إلّا إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول ، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد ، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي . ودليل ذلك قوله تعالى : هنا مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستويا ، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين ، إذ التفاوت لا يظهر إلّا في شيء واحد ، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين ، وقد عكس هنا . وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له ، وقول الزمخشري بأن : مكّن له بمعنى جعل له مكانا ، ومكّنه بمعنى أثبته . وكلام الراغب أمكن عربية . وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة . واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنّه يستلزم التقوية . وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة . و ما موصولة معناها التمكين ، فهي نائبة عن مصدر محذوف ، أي تمكينا لم نمكّنه لكم ، فتنتصب ( ما ) على المفعولية المطلقة المبيّنة للنوع . والمقصود مكّناهم تمكينا لم نمكّنه لكم ، أي هو أشدّ من تمكينكم في الأرض . والخطاب في قوله : لَكُمْ التفات موجّه إلى الذين كفروا لأنّهم الممكّنون في