الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
14
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ معترضة بين جملة ثُمَّ قَضى أَجَلًا . وجملة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ . وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأنّ اللّه عالم آجال الناس ردّا على قول المشركين ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] . وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كلّ مبتدأ نكرة موصوفة ، نحو قوله تعالى : وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ [ ص : 23 ] ، حتّى قال صاحب « الكشاف » : إنّه الكلام السائر ، فلم يقدّم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم تنكيره مفيدا لمعنى التعظيم ، أي وأجل عظيم مسمّى عنده . ومعنى : مُسَمًّى معيّن ، لأنّ أصل السمة العلامة التي يتعيّن بها المعلّم . والتعيين هنا تعيين الحدّ والوقت . والعندية في قوله : عِنْدَهُ عندية العلم ، أي معلوم له دون غيره . فالمراد بقوله : وَأَجَلٌ مُسَمًّى أجل بعث الناس إلى الحشر ، فإنّ إعادة النّكرة بعد نكرة يفيد أنّ الثانية غير الأولى ، فصار : المعنى ثم قضى لكم أجلين : أجلا تعرفون مدّته بموت صاحبه ، وأجلا معيّن المدّة في علم اللّه . فالمراد بالأجل الأول عمر كلّ إنسان ، فإنّه يعلمه الناس عند موت صاحبه ، فيقولون : عاش كذا وكذا سنة ، وهو وإن كان علمه لا يتحقّق إلّا عند انتهائه فما هو إلّا علم حاصل لكثير من النّاس بالمقايسة . والأجل المعلوم وإن كان قد انتهى فإنّه في الأصل أجل ممتدّ . والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كلّ أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه جميع الناس ، فإنّه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة ، قال تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ [ يونس : 45 ] ، وقال : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [ الروم : 55 ] . وقوله : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ عطفت على جملة : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ، فحرف ثُمَّ للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى أعجب منه ، كما تقدّم في قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] ، أي فالتعجيب حقيق ممّن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق الأول وبالموت . والمخاطب بقوله :