الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأربعة . وقد يكون الحصر لردّ اعتقاد مقدّر وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء ويميل إلى التّخفيف منه . وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلا . وأيّا ما كان سبب النزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر اللّه فيها ، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النسبة . والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفل المعدود بعضها في أصول الفقه لأنّه يجعل الحكم جازما . ومعنى يُحارِبُونَ أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عدوانا لقصد المغنم كشأن المحارب المبادي ، لأنّ حقيقة الحرب القتال . ومعنى محاربة اللّه محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه ، وقد علم أنّ اللّه لا يحاربه أحد فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها بأنّها محاربة لمن يغضب اللّه لمحاربته ، وهو الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والمراد بمحاربة الرّسول الاعتداء على حكمه وسلطانه ، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نعم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين ، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقابا على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام . ثمّ إنّ اللّه شرع حكما للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول اللّه وبعده ، وسوّى عقوبتها ، فتعيّن أن يصير تأويل يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المحاربة لجماعة المسلمين . وجعل لها جزاء عين جزاء الردّة ، لأنّ الردّة لها جزاء آخر فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة . ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين ، ولهذا لم يجعله اللّه جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين ، فلهذا المعنى عدّي يُحارِبُونَ إلى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ليظهر أنّهم لم يقصدوا حرب معيّن من النّاس ولا حرب صفّ . وعطف وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً لبيان القصد من حربهم اللّه ورسوله ، فصار الجزء على مجموع الأمرين ، فمجموع الأمرين سبب مركّب للعقوبة ، وكلّ واحد من الأمرين جزء سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها . وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة ؛ فقال مالك : هي حمل السلاح على النّاس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة أي بين المحارب - بالكسر - وبين المحارب - بالفتح - ، سواء في البادية أو في المصر ، وقال به الشّافعي وأبو ثور . وقيل : لا يكون المحارب في المصر محاربا ، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق . والّذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة ، والّذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر . وقد كانت نزلت بتونس قضية لصّ اسمه « ونّاس » أخاف أهل