الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
منطوق بها . ومعنى كَتَبْنا شرعنا كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] . ومفعول كَتَبْنا مضمون جملة أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً . و ( أنّ ) من قوله أَنَّهُ بفتح الهمزة أخت ( إنّ ) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدريّة ، وضمير « أنّه » ضمير الشأن ، أي كتبنا عليهم شأنا مهمّا هو مماثلة قتل نفس واحدة بغير حقّ لقتل القاتل النّاس أجمعين . ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التّركيب يتّضح ببيان موقع حرف ( أنّ ) المفتوح الهمزة المشدّد النّون ، فهذا الحرف لا يقع في الكلام إلّا معمولا لعامل قبله يقتضيه ، فتعيّن أنّ الجملة بعد ( أنّ ) بمنزلة المفرد المعمول للعامل ، فلزم أنّ الجملة بعد ( أنّ ) مؤوّلة بمصدر يسبك ، أي يؤخذ من خبر ( أنّ ) . وقد اتّفق علماء العربيّة على كون ( أنّ ) المفتوحة الهمزة المشدّدة النّون أختا لحرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة ، وأنّها تفيد التّأكيد مثل أختها . واتّفقوا على كون ( أن ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحرفيّة الخمسة الّتي يسبك مدخولها بمصدر . وبهذا تزيد ( أنّ ) المفتوحة على ( إنّ ) المكسورة . وخبر ( أنّ ) في هذه الآية جملة مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ إلخ . وهي مع ذلك مفسّرة لضمير الشأن . ومفعول كَتَبْنا مأخوذ من جملة الشّرط وجوابه ، وتقديره : كتبنا مشابهة قتل نفس بغير نفس إلخ بقتل النّاس أجمعين في عظيم الجرم . وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسّرين والنحويين . ووقع في « لسان العرب » عن الفرّاء ما حاصله : إذا جاءت ( أنّ ) بعد القول وما تصرّف منه وكانت تفسيرا للقول ولم تكن حكاية له نصبتها ( أي فتحت همزتها ) ، مثل قولك : قد قلت لك كلاما حسنا أنّ أباك شريف ، تفتح ( أنّ ) لأنّها فسّرت « كلاما » ، وهو منصوب ، ( أي مفعول لفعل قلت ) فمفسّره منصوب أيضا على المفعوليّة لأنّ البيان له إعراب المبيّن . فالفراء يثبت لحرف ( أنّ ) معنى التفسير علاوة على ما يثبته له جميع النحويين من معنى المصدريّة ، فصار حرف ( أنّ ) بالجمع بين القولين دالّا على معنى التّأكيد باطّراد ودالّا معه على معنى المصدريّة تارة وعلى معنى التّفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام . ولعلّ الفرّاء ينحو إلى أنّ حرف ( أنّ ) المفتوحة الهمزة مركّب من حرفين هما حرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون ، وحرف ( أنّ ) المفتوحة الهمزة الساكنة النّون الّتي تكون تارة مصدريّة وتارة تفسيرية ؛ ففتح