الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

86

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسّوءة : ما تسوء رؤيته ، وهي هنا تغيّر رائحة القتيل وتقطّع جسمه . وكلمة يا وَيْلَتى من صيغ الاستغاثة المستعملة في التعجّب ، وأصله يا لويلتي ، فعوّضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم : يا عجبا ، ويجوز أن يجعل الألف عوضا عن ياء المتكلم ، وهي لغة ، ويكون النّداء مجازا بتنزيل الويلة منزلة ما ينادى ، كقوله : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] . والاستفهام في أَ عَجَزْتُ إنكاري . وهذا المشهد العظيم هو مشهد أوّل حضارة في البشر ، وهي من قبيل طلب ستر المشاهد المكروهة . وهو أيضا مشهد أوّل علم اكتسبه البشر بالتّقليد وبالتّجربة ، وهو أيضا مشهد أوّل مظاهر تلقّي البشر معارفه من عوالم أضعف منه كما تشبّه النّاس بالحيوان في الزينة ، فلبسوا الجلود الحسنة الملوّنة وتكلّلوا بالريش الملوّن وبالزهور والحجارة الكريمة ، فكم في هذه الآية من عبرة للتّاريخ والدّين والخلق . فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ . القول فيه كالقول في فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ [ المائدة : 30 ] . ومعنى مِنَ النَّادِمِينَ أصبح نادما أشدّ ندامة ، لأنّ مِنَ النَّادِمِينَ أدلّ على تمكّن الندامة من نفسه ، من أن يقال « نادما » . كما تقدّم عند قوله تعالى : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] وقوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ في سورة البقرة [ 35 ] . والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه ؛ لم يتفطّن لما فيه عليه من مضرّة قال تعالى : أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ الحجرات : 6 ] ، أي ندم على ما اقترف من قتل أخيه إذ رأى الغراب يحتفل بإكرام أخيه الميّت ورأى نفسه يجترئ على قتل أخيه ، وما إسراعه إلى تقليد الغراب في دفن أخيه إلّا مبدأ النّدامة وحبّ الكرامة لأخيه . ويحتمل أن هذا النّدم لم يكن ناشئا عن خوف عذاب اللّه ولا قصد توبة ، فلذلك لم ينفعه . فجاء في الصّحيح « ما من نفس تقتل ظلما إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها ذلك لأنّه أوّل من سنّ القتل » . ويحتمل أن يكون دليلا لمن قالوا : إنّ القاتل لا تقبل توبته وهو مروي عن ابن عبّاس ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها الآية من سورة النّساء [ 93 ] . [ 32 ]