الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

84

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حديث « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار » فذلك في القتال على الملك وقصد التغالب الّذي ينكفّ فيه المعتدي بتسليم الآخر له ؛ فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أصلح الفريقين بالتّسليم للآخر وحمل التبعة عليه تجنّبا للفتنة ، وهو الموقف الّذي وقفه عثمان - رضي اللّه عنه - رجاء الصلاح . ومعنى أُرِيدُ : أريد من إمساكي عن الدفاع . وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى : قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [ القصص : 27 ] ، وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [ البقرة : 185 ] . فالجملة تعليل للّتي قبلها ، ولذلك فصلت وافتتحت ب ( إنّ ) المشعرة بالتّعليل بمعنى فاء التفريع . و تَبُوءَ ترجع ، وهو رجوع مجازي ، أي تكتسب ذلك من فعلك ، فكأنّه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين . والأظهر في معنى قوله بِإِثْمِي ما له من الآثام الفارطة في عمره ، أي أرجو أن يغفر لي وتحمل ذنوبي عليك . وفي الحديث : « يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتّى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات المظلوم فتطرح عليه » . رواه مسلم . فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شرع في الإسلام ، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده وإلهامه ونطق عن مثل نبوءة . ومصدر أَنْ تَبُوءَ هو مفعول أُرِيدُ ، أي أريد من الإمساك عن أن أقتلك إن أقدمت على قتلي أريد أن يقع إثمي عليك ، فإثم مراد به الجنس ، أي ما عسى أن يكون له من إثم . وقد أراد بهذا موعظة أخيه ، ولذلك عطف عليه قوله : وَإِثْمِكَ تذكيرا له بفظاعة عاقبة فعلته ، كقوله تعالى : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] . فعطف قوله : وَإِثْمِكَ إدماج بذكر ما يحصل في نفس الأمر وليس هو ممّا يريده . وكذلك قوله : فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ تذكيرا لأخيه بما عسى أن يكفّه عن الاعتداء . ومعنى مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي ممّن يطول عذابه في النّار ، لأنّ أصحاب النّار هم ملازموها . وقوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ دلّت الفاء على التفريع والتعقيب ، ودلّ ( طوّع ) على حدوث تردّد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحسد ودافع الخشية ، فعلمنا أنّ المفرّع عنه محذوف ، تقديره : فتردّد مليّا ، أو فترصّد فرصا فطوّعت له نفسه . فقد قيل : إنّه بقي زمانا يتربّص بأخيه ، ( وطوّع ) معناه جعله طائعا ، أي مكّنه من المطوّع . والطوع والطواعية :