الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
81
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قلت : هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومه ، فإنّه بقي معهم في التيه حتّى توفّي . قلت : كان ذلك هيّنا على موسى لأنّ بقاءه معهم لإرشادهم وصلاحهم وهو خصّيصة رسالته ، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة ، أمّا هم فكانوا في مشقّة . يَتِيهُونَ يضلّون ، ومصدره التّيه - بفتح التّاء وسكون الياء - والتيه - بكسر التّاء وسكون التحتية - . وسمّيت المفازة تيهاء وسمّيت تيها . وقد بقي بنو إسرائيل مقيمين في جهات ضيّقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتّى بلغوا جبل ( نيبو ) على مقربة من نهر ( الأردن ) ، فهنالك توفّي موسى - عليه السلام - وهنالك دفن . ولا يعرف موضع قبره كما في نصّ كتاب اليهود . وما دخلوا الأرض المقدسة حتّى عبروا الأردن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى . وقد استثناه اللّه تعالى هو وكالب بن يفنّة ، لأنّهما لم يقولا : لن ندخلها . وأمّا بقية الرّوّاد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من دخولها . وقوله : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ تفريع على الإخبار بهذا العقاب ، لأنّه علم أنّ موسى يحزنه ذلك ، فنهاه عن الحزن لأنّهم لا يستأهلون الحزن لأجلهم لفسقهم . والأسى : الحزن ، يقال أسي كفرح إذا حزن . [ 27 - 30 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 30 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) عطف نبأ على نبإ ليكون مقدّمة للتحذير من قتل النفس والحرابة والسرقة ، ويتبع بتحريم الخمر وأحكام الوصية وغيرها ، وليحسن التخلّص ممّا استطرد من الأنباء والقصص التي هي مواقع عبرة وتنظم كلّها في جرائر الغرور . والمناسبة بينها وبين القصّة الّتي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضادّ . فأما التماثل فإنّ في كلتيهما عدم الرضا بما حكم اللّه تعالى : فإنّ بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إيّاهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة ، وأحد ابني آدم عصى حكم اللّه تعالى بعدم قبول قربانه لأنّه لم يكن من المتّقين . وفي كلتيهما جرأة على اللّه بعد المعصية ؛ فبنو إسرائيل قالوا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [ المائدة : 24 ] ، وابن آدم قال :