الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

( الكاثوليك ) ، ومذهب النّسطورية ، ومذهب اليعقوبية . وتفصيله في كتاب « المقاصد » . وتقدّم مفصّلا عند تفسير قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ في سورة النّساء [ 171 ] . وهذا قول اليعاقبة من النصارى ، وهم أتباع يعقوب البرذعاني ، وكان راهبا بالقسطنطينية ، وقد حدثت مقالته هذه بعد مقالة الملكانية ، ويقال لليعاقبة : أصحاب الطبيعة الواحدة ، وعليها درج نصارى الحبشة كلّهم . ولا شكّ أنّ نصارى نجران كانوا على هذه الطريقة . ولقرب أصحابها الحبشة من بلاد العرب تصدّى القرآن لبيان ردّها هنا وفي الآية الآتية في هذه السورة . وقد بيّنا حقيقة معتقد النصارى في اتّحاد اللاهوت بالناسوت وفي اجتماع الأقانيم عند قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ في سورة النساء [ 171 ] . وبيّن اللّه لرسوله الحجّة عليهم بقوله : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً الآية ، فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم : إنّ اللّه هو المسيح ، للدلالة على أنّ الإنكار ترتّب على هذا القول الشنيع ، فهي للتعقيب الذكري ، وهذا استعمال كثير في كلامهم ، فلا حاجة إلى ما قيل : إنّ الفاء عاطفة على محذوف دلّ عليه السياق ، أي ليس الأمر كما زعمتم ، ولا أنّها جواب شرط مقدّر ، أي إن كان ما تقولون فمن يملك من اللّه شيئا ، إلخ . ومعنى يملك شيئا هنا يقدر على شيء ، فالمركّب مستعمل في لازم معناه على طريقة الكناية ، وهذا اللازم متعدّد وهو الملك ، فاستطاعة التحويل ، وهو استعمال كثير ومنه قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا الآية في سورة الفتح [ 11 ] . و في الحديث قال رسول اللّه لعيينة بن حصن « أفأملك لك أن نزع اللّه من قلبك الرحمة » لأنّ الذي يملك يتصرّف في مملوكه كيف شاء . فالتنكير في قوله شَيْئاً للتقليل والتحقير . ولمّا كان الاستفهام هنا بمعنى النفي كان نفي الشيء القليل مقتضيا نفي الكثير بطريق الأولى ، فالمعنى : فمن يقدر على شيء من اللّه ، أي من فعله وتصرّفه أن يحوّله عنه ، ونظيره وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 67 ] . وسيأتي لمعنى « يملك » استعمال آخر عند قوله تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [ المائدة : 76 ] في هذه السورة ، وسيأتي قريب من هذا الاستعمال عند قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في هذه السورة [ المائدة : 41 ] .