الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلّا اليهود والنصارى . أمّا اليهود فلأنّهم مختلطون بالمسلمين في المدينة وما حولها ، وأمّا النصارى فلأنّ فتوح الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم في حدود الشام . وفي حديث عمر في « صحيح البخاري » : وكان من حول رسول اللّه قد استقام له ولم يبق إلّا ملك غسان بالشام كنّا نخاف أن يأتينا . وقد امتازت هذه السورة باتّساع نطاق المجادلة مع النصارى ، واختصار المجادلة مع اليهود ، عمّا في سورة النساء ، ممّا يدلّ على أنّ أمر اليهود أخذ في تراجع ووهن ، وأنّ الاختلاط مع النصارى أصبح أشدّ منه من ذي قبل . وفي سورة النساء تحريم السّكر عند الصلوات خاصّة ، وفي سورة المائدة تحريمه بتاتا ، فهذا متأخّر عن بعض سورة النساء لا محالة . وليس يلزم أنّ لا تنزل سورة حتّى ينتهي نزول أخرى بل يجوز أن تنزل سورتان في مدّة واحدة . وهي ، أيضا ، متأخّرة عن سورة براءة : لأنّ براءة تشتمل على كثير من أحوال المنافقين وسورة المائدة لا تذكر من أحوالهم إلّا مرّة ، وذلك يؤذن بأنّ النفاق حين نزولها قد انقطع ، أو خضّدت شوكة أصحابه ، وإذ قد كانت سورة براءة نزلت في عام حجّ أبي بكر بالناس ، أعني سنة تسع من الهجرة . فلا جرم أنّ بعض سورة المائدة نزلت في عام حجّة الوداع ، وحسبك دليلا اشتمالها على آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] التي اتّفق أهل الأثر على أنّها نزلت يوم عرفة ، عام حجّة الوداع ، كما في خبر عن عمر بن الخطاب . وفي سورة المائدة [ 3 ] قوله تعالى : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ . وفي خطبة حجّة الوداع يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنّه قد رضي بما دون ذلك ممّا تحقرون من أعمالكم » . وقد عدّت السورة الحادية والتسعين في عدد السور على ترتيب النزول . عن جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الأحزاب وقبل سورة الممتحنة . وعدد آيها : مائة واثنتان وعشرون في عدد الجمهور ، ومائة وثلاث وعشرون في عدّ البصريين ، ومائة وعشرون عند الكوفيين . وجعلت هذه السورة في المصحف قبل سورة الأنعام مع أنّ سورة الأنعام أكثر منها عدد آيات : لعلّ ذلك لمراعاة اشتمال هذه السورة على أغراض تشبه ما اشتملت عليه سورة النساء عونا على تبيين إحداهما للأخرى في تلك الأغراض .