الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

65

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ حقيقة الإغراء حثّ أحد على فعل وتحسينه إليه حتّى لا يتوانى في تحصيله ؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم ، أي لزومهما لهم فيما بينهم ، شبّه تكوين العداوة والبغضاء مع استمرارهما فيهم بإغراء أحد أحدا بعمل يعمل تشبيه معقول بمحسوس . ولمّا دلّ الظرف ، وهو بَيْنَهُمُ ، على أنّهما أغريتا بهم استغني عن ذكر متعلّق فَأَغْرَيْنا . وتقدير الكلام : فأغرينا العداوة والبغضاء بهم كائنتين بينهم . ويشبه أن يكون العدول على تعدية « أغرينا » بحرف الجرّ إلى تعليقه بالظرف قرينة أو تجريدا لبيان أنّ المراد ب فَأَغْرَيْنا ألقينا . وما وقع في « الكشاف » من تفسير فَأَغْرَيْنا بمعنى ألصقنا تطوّح عن المقصود إلى رائحة الاشتقاق من الغراء ، وهو الدهن الذي يلصق الخشب به ، وقد تنوسي هذا المعنى في الاستعمال . والعداوة والضمير المجرور بإضافة بين إليه يعود إلى النصارى لتنتسق الضّمائر . والعداوة والبغضاء اسمان لمعنيين من جنس الكراهية الشديدة ، فهما ضدّان للمحبّة . وظاهر عطف أحد الاسمين على الآخر في مواضع من القرآن ، في هذه الآية وفي الآيتين بعدها في هذه السورة وفي آية سورة الممتحنة ، أنّهما ليسا من الأسماء المترادفة ؛ لأنّ التزام العطف بهذا الترتيب ببعد أن يكون لمجرّد التّأكيد ، فليس عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف المرادف لمجرّد التّأكيد ، كقوله عدي : وألفي قولها كذبا ومينا وقد ترك علماء اللّغة بيان التفرقة بين العداوة والبغضاء ، وتابعهم المفسّرون على ذلك ؛ فلا تجد من تصدّى للفرق بينهما سوى الشيخ ابن عرفة التّونسي ، فقال في « تفسيره » « العداوة أعمّ من البغضاء لأنّ العداوة سبب في البغضاء ؛ فقد يتعادى الأخ مع أخيه ولا يتمادى على ذلك حتّى تنشأ عنه المباغضة ، وقد يتمادى على ذلك » اه . ووقع لأبي البقاء الكفوي في كتاب « الكليّات » أنّه قال : « العداوة أخصّ من البغضاء لأنّ كلّ عدوّ مبغض ، وقد يبغض من ليس بعدوّ » . وهو يخالف كلام ابن عرفة . وفي تعليليهما مصادرة واضحة ، فإن كانت العداوة أعمّ من البغضاء زادت فائدة العطف لأنّه يصير في معنى الاحتراس ، وإن كانت العداوة أخصّ من البغضاء لم يكن العطف إلّا للتّأكيد ، لأنّ التأكيد يحصل بذكر لفظ يدلّ على بعض مطلق من معنى المؤكّد ، فيتقرّر