الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

50

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العرب بمعنى الشروع في الفعل ، قال الشاعر : فقام يذود النّاس عنها بسيفه * وقال ألا لا من سبيل إلى هند وعلى العزم على الفعل ، قال النابغة : قاموا فقالوا حمانا غير مقروب أي عزموا رأيهم فقالوا . والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته ب ( إلى ) لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلّوا . وروى مالك في « الموطّأ » عن زيد بن أسلم أنّه فسّر القيام بمعنى الهبوب من النوم ، وهو مروي عن السديّ . فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في هذه الآية ، وكلّها تؤول إلى أنّ إيجاب الطهارة لأجل أداء الصّلاة . وأمّا ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية فظاهر الآية الأمر بالوضوء عند كلّ صلاة لأنّ الأمر بغسل ما أمر بغسله شرط ب إِذا قُمْتُمْ فاقتضى طلب غسل هذه الأعضاء عند كلّ قيام إلى الصّلاة . والأمر ظاهر في الوجوب . وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من السلف ؛ فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوب الوضوء لكلّ صلاة ونسبه الطبرسي إلى داود الظاهري ، ولم يذكر ذلك ابن حزم في « المحلّى » ولم أره لغير الطبرسي . وقال بريدة بن أبي بردة : كان الوضوء واجبا على المسلمين لكلّ صلاة ثمّ نسخ ذلك عام الفتح بفعل النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، فصلّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد ، وصلّى في غزوة خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد . وقال بعضهم : هذا حكم خاصّ بالنّبيء صلى اللّه عليه وسلّم . وهذا قول عجيب إن أراد به صاحبه حمل الآية عليه ، كيف وهي مصدّرة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . والجمهور حملوا الآية على معنى « إذا قمتم محدثين » ولعلّهم استندوا في ذلك إلى آية النّساء [ 43 ] المصدّرة بقوله : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى - إلى قوله - وَلا جُنُباً الآية . وحملوا ما كان يفعله النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم من الوضوء لكلّ صلاة على أنّه كان فرضا على النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم خاصّا به غير داخل في هذه الآية ، وأنّه نسخ وجوبه عليه يوم فتح مكّة ؛ ومنهم من حمله على أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم كان يلتزم ذلك وحملوا ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وابن عمر من الوضوء لفضل إعادة الوضوء لكلّ صلاة . وهو الّذي لا ينبغي القول بغيره . والّذين فسّروا القيام بمعنى القيام من النّوم أرادوا تمهيد طريق التأويل بأن يكون الأمر قد نيط بوجود موجب