الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ذلك للعبد ، وكأنّه جعل الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء [ 25 ] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ وهو تفسير بيّن ملتئم . وأصل ذلك لعمر بن الخطاب ومجاهد . ومن العلماء من فسّر المحصنات هنا بالعفائف ، ونقل عن الشعبي وغيره ، فمنعوا تزوّج غير العفيفة من النساء لرقّة دينها وسوء خلقها . وكذلك القول في تفسير قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي الحرائر عند مالك ، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقا للحرّ والعبد . والذين فسّروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك . وشمل أهل الكتاب : الذمّيّين ، والمعاهدين ، وأهل الحرب ، وهو ظاهر ، إلّا أنّ مالكا كره نكاح النساء الحربيّات ، وعن ابن عبّاس : تخصيص الآية بغير نساء أهل الحرب ، فمنع نكاح الحربيات . ولم يذكروا دليله . والأجور : المهور ، وسمّيت هنا ( أجورا ) مجازا في معنى الأعواض عن المنافع الحاصلة من آثار عقدة النكاح ، على وجه الاستعارة أو المجاز المرسل . والمهر شعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة . ولو كانت المهور أجورا حقيقة لوجب تحديد مدّة الانتفاع ومقداره وذلك ممّا تنزّه عنه عقدة النكاح . والقول في قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ كالقول في نظيره مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ [ النساء : 25 ] تقدّم في هذه السورة . وجملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ معترضة بين الجمل . والمقصود التنبيه على أنّ إباحة تزوّج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم ، ولكن ذلك تيسير على المسلمين . وقد ذكر في سبب نزولها أنّ نساء أهل الكتاب قلن « لولا أنّ اللّه رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا » . والمراد بالإيمان الإيمان المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لقّبوا بالمؤمنين ، فالكفر هنا الكفر بالرسل ، أي : ينكر الإيمان ، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان من المعتقدات ، إذ الإيمان صار لقبا لمجموع ما يجب التصديق به . والحبط - بسكون الموحّدة - والحبوط : فساد شيء كان صالحا ، ومنه سمّي الحبط - بفتحتين - مرض يصيب الإبل من جرّاء أكل الخضر في أوّل الربيع فتنتفخ أمعاؤها وربما ماتت . وفعل ( حبط ) يؤذن بأنّ الحابط كان صالحا فانقلب إلى فساد . والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان ، وهو أشدّ الفساد ، فدلّ فعل ( حبط ) على أنّ الأعمال صالحة ،