الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

38

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [ المائدة : 5 ] وقوله في الأعراف [ 157 ] : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ . وعن الشافعي : الطيّبات : الحلال المستلذّ ، فكلّ مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام . قال فخر الدين : العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإنّ أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، وتتأكّد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] فهذا يقتضي التمكّن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلّا أنّه دخله التخصيص بحرمة الخبائث ، فصار هذا أصلا كبيرا في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة . منها أنّ لحم الخيل مباح عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : ليس بمباح . حجّة الشافعي أنّه مستلذّ مستطاب ، والعلم بذلك ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالا ، لقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ . وفي « شرح الهداية » في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي « أنّ ما استطابه العرب حلال ، لقوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [ الأعراف : 157 ] ، وما استخبثه العرب حرام ، لقوله : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] . والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار ، لأنّ القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به ، ولم يعتبر أهل البوادي لأنّهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة . وما يوجد في أمصار المسلمين ممّا لا يعرفه أهل الحجاز ردّ إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز اه . وفيه من التحكّم في تحكيم عوائد بعض الأمّة دون بعض ما لا يناسب التشريع العامّ ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضبّ بشهادة قوله صلى اللّه عليه وسلّم في حديث خالد بن الوليد : « ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه » ومع ذلك لم يحرّمه على خالد . والذي يظهر لي : أنّ اللّه قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيّب فلا جرم أن يكون ذلك منظورا فيه إلى ذات الطعام ، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين ، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين ، وأن يكون مقبولا عند جمهور المعتدلين من البشر ، من كلّ ما يعدّه البشر طعاما غير مستقذر ، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات ، وعن الطبائع المنحرفات ، ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات ، ويترك بعضهم ذلك البعض . فمن العرب من يأكل الضبّ واليربوع والقنافذ ، ومنهم من لا يأكلها . ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذّر ذلك . وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز ، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز ، وفي أهل الصحاري تستجاد لحوم الإبل وألبانها ، وفي أهل الحضر من يكره ذلك ، وكذلك دوابّ البحر وسلاحفه وحيّاته . والشريعة من