الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

35

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الشيء المختار المدّخر لا يكون إلّا أنفس ما أظهر من الأديان ، والأنفس لا يبطله شيء إذ ليس بعده غاية ، فتكون الآية مشيرة إلى أنّ نسخ الأحكام قد انتهى . فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وجود الفاء في صدر هذه الجملة ، مع عدم مناسبة ما بعد الفاء لما وليته ، يعيّن أن تكون متّصلة ببعض الآي التي سبقت ، وقد جعلها المفسّرون مرتبطة بآية تحريم الميتة وما عطف عليها من المأكولات ، من غير تعرّض في كلامهم إلى انتظام نظم هذه الآية مع التي قبلها . وقد انفرد صاحب « الكشاف » ببيان ذلك فجعل ما بين ذلك اعتراضا . ولا شكّ أنّه يعني باتّصال هذه الجملة بما قبلها : اتّصال الكلام الناشئ عن كلام قبله ، فتكون الفاء عنده للفصيحة ، لأنّه لمّا تضمّنت الآيات تحريم كثير ممّا كانوا يقتاتونه ، وقد كانت بلاد العرب قليلة الأقوات ، معرّضة للمخمصة : عند انحباس الأمطار ، أو في شدّه كلب الشتاء ، فلم يكن عندهم من صنوف الأطعمة ما يعتاضون ببعضه عن بعض ، كما طفحت به أقوال شعرائهم . فلا جرم أن يكون تحريم كثير من معتاد طعامهم مؤذنا بتوقّع منهم أن يفضي ذلك إلى امتداد يد الهلاك إليهم عند المخمصة ، فناسب أن يفصح عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير : فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن اضطرّ في مخمصة إلخ . ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف : إذ ليس في الجمل السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف « من اضطرّ في مخمصة » عليه . والأحسن عندي أن يكون موقع فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ متّصلا بقوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ، اتّصال المعطوف بالمعطوف عليه ، والفاء للتفريع : تفريع منّة جزئيّة على منّة كلّيّة ، وذلك أنّ اللّه امتنّ في هذه الجمل الثلاث بالإسلام ثلاث مرّات : مرّة بوصفه في قوله دِينِكُمْ ، ومرّة بالعموم الشامل له في قوله : نِعْمَتِي ، ومرّة باسمه في قوله : الْإِسْلامَ ؛ فقد تقرّر بينهم : أنّ الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق ، من آيات كثيرة قبل هذه الآية ، فلمّا علمهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرّم عليهم من المطعومات ، وأعقب ذلك بالمنّة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم بقوله : فَمَنِ اضْطُرَّ إلخ ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة ، وتفرّع على قوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وتعقّب المنّة العامّة بالمنّة الخاصّة .