الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فأصبح مرهوبا بأسه ، ومنع المشركين من الحجّ بعد عام ، فحجّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عام عشرة وليس معه غير المسلمين ، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين : بمعنى سلطان الدين وتمكينه وحفظه ، وذلك تبيّن واضحا يوم الحجّ الذي نزلت فيه هذه الآية . لم يكن الدين في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه : لأنّ الدين في كلّ يوم ، من وقت البعثة ، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه اللّه للمسلمين يوما فيوما ، فمن كان من المسلمين آخذا بكلّ ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات فهو متمسّك بالإسلام ، فإكمال الدين يوم نزول الآية إكمال له فيما يراد به ، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين . وفي هذه الآية دليل على وقوع تأخير البيان إلى وقت الحاجة . وإذا كانت الآية نازلة يوم فتح مكة ، كما يروى عن مجاهد ، فإكمال الدين إكمال بقية ما كانوا محرومين منه من قواعد الإسلام ، إذ الإسلام قد فسّر في الحديث بما يشمل الحجّ ، إذ قد مكّنهم يومئذ من أداء حجّهم دون معارض ، وقد كمل أيضا سلطان الدين بدخول الرسول إلى البلد الذي أخرجوه منه ، ومكّنه من قلب بلاد العرب . فالمراد من الدين دين الإسلام وإضافته إلى ضمير المسلمين لتشريفهم بذلك . ولا يصحّ أن يكون المراد من الدين القرآن : لأنّ آيات كثيرة نزلت بعد هذه الآية ، وحسبك من ذلك بقيّة سورة المائدة وآية الكلالة ، التي في آخر النساء ، على القول بأنّها آخر آية نزلت ، وسورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [ النصر : 1 ] كذلك ، وقد عاش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد نزول آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نحوا من تسعين يوما ، يوحى إليه . ومعنى ( اليوم ) في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نظير معناه في قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ . وقوله : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي إتمام النعمة : هو خلوصها ممّا يخالطها : من الحرج ، والتعب . وظاهره أنّ الجملة معطوفة على جملة أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فيكون متعلّقا للظرف وهو اليوم ، فيكون تمام النعمة حاصلا يوم نزول هذه الآية . وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكّنهم من الحج آمين ، مؤمنين ، خالصين ، وطوّع إليهم أعداءهم يوم حجّة الوداع ، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمّها عليهم ، فلذلك قيّد إتمام النعمة بذلك اليوم ، لأنّه زمان ظهور هذا الإتمام : إذ الآية نازلة يوم حجّة الوداع على أصحّ الأقوال ، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة ، وإن كان القول بذلك ضعيفا ، فتمام النعمة فيه على المسلمين : أن مكّنهم من أشدّ أعدائهم ، وأحرصهم على استئصالهم ، لكن