الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة ل جَنَّاتٌ و خالِدِينَ حال . وكذلك جملة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . ومعنى : رَضُوا عَنْهُ المسرة الكاملة بما جازاهم به من الجنّة ورضوانه . وأصل الرضا أنّه ضدّ الغضب ، فهو المحبّة وأثرها من الإكرام والإحسان . فرضي اللّه مستعمل في إكرامه وإحسانه مثل محبّته في قوله : يُحِبُّهُمْ . ورضي الخلق عن اللّه هو محبّته وحصول ما أمّلوه منه بحيث لا يبقى في نفوسهم متطلّع . واسم الإشارة في قوله ذلِكَ لتعظيم المشار إليه ، وهو الجنّات والرضوان . [ 120 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 120 ] لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 120 ) تذييل مؤذن بانتهاء الكلام ، لأنّ هذه الجملة جمعت عبودية كلّ الموجودات للّه تعالى ، فناسبت ما تقدّم من الردّ على النصارى ، وتضمّنت أنّ جميعها في تصرّفه تعالى فناسبت ما تقدّم من جزاء الصادقين . وفيها معنى التفويض للّه تعالى في كلّ ما ينزل ، فآذنت بانتهاء نزول القرآن على القول بأنّ سورة المائدة آخر ما نزل ، وباقتراب وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لما في الآية من معنى التسليم للّه وأنّه الفعّال لما يريد . وتقديم المجرور باللام مفيد للقصر أي له لا لغيره . وجيء بالموصول ( ما ) في قوله وَما فِيهِنَّ دون ( من ) لأنّ ( ما ) هي الأصل في الموصول المبهم فلم يعتبر تغليب العقلاء ، وتقديم المجرور ب عَلى في قوله : عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ للرعاية على الفاصلة المبنيّة على حرفين بينهما حرف مدّ . وَما فِيهِنَّ عطف على مُلْكُ أي للّه ما في السماوات والأرض ، كما في سورة البقرة [ 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فيفيد قصرها على كونها للّه لا لغيره . وليس معطوفا على السماوات والأرض إذ لا يحسن أن يقال : للّه ملك ما في السماوات والأرض لأنّ الملك يضاف إلى الأقطار والآفاق والأماكن كما حكى اللّه تعالى : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [ الزخرف : 51 ] ويضاف إلى صاحب الملك كما في قوله : عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [ البقرة : 102 ] . ويقال : في مدّة ملك الأشوريين أو الرومان .