الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناهي . والثالث : غفل - بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف - أي متروك بدون كتابة . فإذا أراد أحدهم سفرا أو عملا لا يدري أيكون نافعا أم ضارّا ، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلام ، فإذا خرج الذي عليه كتابة ، فعلوا ما رسم لهم ، وإذا خرج الغفل أعادوا الإجالة . ولمّا أراد امرؤ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حجر ، استقسم بالأزلام عند ذي الخلصة ، صنم خثعم ، فخرج له الناهي فكسر القداح وقال : لو كنت يا ذا الخلص الموتورا * مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا وقد ورد ، في حديث فتح مكة : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال : « كذبوا واللّه إن استقسم بها قطّ » وهم قد اختلقوا تلك الصورة ، أو توهّموها لذلك ، تنويها بشأن الاستقسام بالأزلام ، وتضليلا للناس الذين يجهلون . وكانت لهم أزلام أخرى عند كلّ كاهن من كهانهم ، ومن حكّامهم ، وكان منها عند ( هبل ) في الكعبة سبعة قد كتبوا على كلّ واحد شيئا من أهمّ ما يعرض لهم في شؤونهم ، كتبوا على أحدها العقل في الدية ، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم ؛ وأزلام لإثبات النسب ، مكتوب على واحد « منكم » ، وعلى واحد « من غيركم » ، وفي آخر « ملصق » . وكانت لهم أزلام لإعطاء الحقّ في المياه إذا تنازعوا فيها . وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد اللّه من النّذر الذي نذره أن يذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل ، فخرج الزلم على عبد اللّه فقالوا له : أرض الآلهة فزاد عشرة حتّى بلغ مائة من الإبل فخرج الزّلم على الإبل فنحرها . وكان الرجل قد يتّخذ أزلاما لنفسه ، كما ورد في حديث الهجرة « أنّ سراقة ابن مالك لمّا لحق النبي صلى اللّه عليه وسلّم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم بالأزلام فخرج له ما يكره » . والإشارة في قوله : ذلِكُمْ فِسْقٌ راجعة إلى المصدر وهو أَنْ تَسْتَقْسِمُوا . وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتّى يقع الحكم على متميّز معيّن . والفسق : الخروج عن الدين ، وعن الخير ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في سورة البقرة [ 26 ] . وجعل اللّه الاستقسام فسقا لأنّ منه ما هو مقامرة ، وفيه ما هو من شرائع الشرك ، لتطلّب المسبّبات من غير أسبابها ، إذ ليس الاستقسام سببا عاديّا مضبوطا ، ولا سببا