الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

258

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يأذن به اللّه ، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته . وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [ المائدة : 82 ] . فإنّ في تلك الآيات ترغيبا وترهيبا ، وإبعادا وتقريبا ، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى ، وذلك من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 87 ] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة . ولقد جاء هذا مناسبا للتذكير العامّ بقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ المائدة : 108 ] . ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضا بإبطال دعوى أنّه ابن للّه تعالى . ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى ، فإنّ الأديان وصايا اللّه إلى خلقه . قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [ الشورى : 13 ] . وقد سمّاهم اللّه تعالى شهداء في قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] . فقوله : يَوْمَ يَجْمَعُ ظرف ، والأظهر أنه معمول لعامل محذوف يقدّر بنحو : اذكر يوم يجمع اللّه الرسل ، أو يقدّر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف ، لأنّ الظرف إذا تقدّم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جوابا . وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن من التهويل ، تقديره يوم يجمع اللّه الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طول التعبير فينبغي طيّه . ويجوز أن يكون متعلّقا بفعل قالُوا لا عِلْمَ لَنا . . . إلخ ، أي أنّ ذلك الفعل هو المقصود من الجملة المستأنفة . وأصل نظم الكلام : يجمع اللّه الرسل يوم القيامة فيقول إلخ . فغيّر نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية للاهتمام بالخبر ، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليورد الاستشهاد في صورة المقاولة بين اللّه والرسل . والمقصود من الكلام هو ما يأتي بقوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [ المائدة : 116 ] وما بينهما اعتراض . ومن البعيد أن يكون الظرف متعلّقا بقوله : لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ المائدة : 108 ] لأنّه لا جدوى في نفي الهداية في يوم القيامة ، ولأنّ جزالة الكلام تناسب استئنافه ، ولأنّ تعلّقه به غير واسع المعنى . ومثله قول الزجّاج : إنّه متعلّق بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ [ المائدة : 108 ] على أنّ يَوْمَ