الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

256

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] - وقوله - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] وهذا قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي . وذهب جماعة إلى أنّ الآية محكمة ، فمنهم من جعلها خاصّة بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون . وهو قول أبي موسى الأشعري ، وابن عباس ، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه ، أيام قضائه بالكوفة ، وقال : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . وهو قول سعيد بن المسيّب ، وابن جبير ، وشريح ، وابن سيرين ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدّي ، وسفيان الثوري ، وجماعة ، وهم يقولون : لا منسوخ في سورة المائدة ، تبعا لابن عباس . ومنهم من تأوّل قوله مِنْ غَيْرِكُمْ على أنّه من غير قبيلتكم ، وهو قول الزهري ، والحسن ، وعكرمة . وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة الوصية ، فقال بأنّ شهادة أهل الذمّة على المسلمين في السفر ماضية ، وزاد فجعلها بدون يمين . والأظهر عندي أنّ حكم الآية غير منسوخ ، وأنّ قبول شهادة غير المسلمين خاصّ بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة ، وأنّ وجه اختصاص الوصية بهذا الحكم أنّها تعرض في حالة لا يستعدّ لها المرء من قبل فكان معذورا في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات ، بخلاف غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثّق لها بغير ذلك ؛ فكان هذا الحكم رخصة . والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلّا في الضرورة ، عند من رأى إعمالها في الضرورة ، أنّ قبول الشهادة تزكية وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مقطعا للحقوق . فقد كان بعض القضاة من السلف يقول للشهود : اتّقوا اللّه فينا فأنتم القضاة ونحن المنفّذون . ولمّا كان رسولنا صلى اللّه عليه وسلّم قد دعا الناس إلى اتّباع دينه فأعرض عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلا لأن تزكّيهم أمّته وتسمهم بالصدق وهم كذّبوا رسولنا ، ولأنّ من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب في خبره ، ولا لمجال التضييق والتوسّع في أعماله الناشئة عن معتقداته ، إذ لعلّ في دينه ما يبيح له الكذب ، وبخاصّة إذا كانت شهادته في حقّ لمن يخالفه في الدين ، فإنّنا عهدنا منهم أنّهم لا يتوخّون الاحتياط في حقوق من لم يكن من أهل دينهم . قال تعالى حكاية عنهم « ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين ( أي المسلمين ) سبيل » فمن أجل ذلك لم يكن مظنّة للعدالة ولا كان مقدارها فيه مضبوطا . وهذا حال الغالب منهم ، وفيهم من