الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

254

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وشاع هذا المعنى في كلامهم ، قالوا : جاء بالشيء الفلاني على وجهه ، فجعلوا الشيء مأتيّا به ، ووصفوه بأنه أتي به متمكّنا من وجهه ، أي من كمال أحواله . فحرف ( على ) للاستعلاء المجازي المراد منه التمكّن ، مثل أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * [ البقرة : 5 ] . والجارّ والمجرور في موضع الحال من بِالشَّهادَةِ ، وصار ذلك قرينة على أنّ المراد من الوجه غير معناه الحقيقي . وسنّة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبّت فيها والتنبّه لما يغفل عنه من مختلف الأحوال التي قد يستخفّ بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيّع الحقوق ، أي ذلك يعلّمهم وجه التثبّت في التحمّل والأداء وتوخّي الصدق ، وهو يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد . وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذار في الشهادة بالطعن أو المعارضة ، فإنّ في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبّت في مطابقة شهادتهم ، للواقع لأنّ المعارضة والإعذار يكشفان عن الحقّ . وقوله أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ عطف على قوله أَنْ يَأْتُوا باعتبار ما تعلّق به من المجرورات ، وذلك لأنّ جملة يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود ، ولذلك قدّرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة . فأفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم ، وأفادت الجملة المعطوفة وازعا هو توقّع ظهور كذبهم . ومعنى أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ أن ترجّع أيمان إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين . فالردّ هنا مجاز في الانتقال ، مثل قولهم : قلب عليه اليمين ، فيعيّروا به بين الناس ؛ فحرف ( أو ) للتقسيم ، وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله : ذلِكَ أَدْنى إلخ . . . وجمع الأيمان باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من جنسها ، على أنّ العرب تعدل عن التثنية كثيرا . ومنه قوله تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما . [ التحريم : 4 ] وذيّل هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمّة فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ الآية . وقوله وَاسْمَعُوا أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازا ، كما تقدّم في قوله تعالى : إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا في هذه السورة [ 7 ] . وقوله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ تحريض على التقوى والطاعة للّه فيما أمر