الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
247
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تعالى : وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ في سورة آل عمران [ 156 ] . ومعنى : فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ حلّت بكم ، والفعل مستعمل في معنى المشارفة والمقاربة ، كما في قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً [ النساء : 9 ] ، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة . وهذا استعمال من استعمال الأفعال . ومنه قولهم في الإقامة : قد قامت الصلاة . وعطف قوله فَأَصابَتْكُمْ على ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، فكان من مضمون قوله قبله إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فصل بينه من الظروف والشروط . وضمير الجمع في فَأَصابَتْكُمْ كضمير الجمع في ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ . والمصيبة : الحادثة التي تحلّ بالمرء من شرّ وضرّ ، وتقدّم عند قوله تعالى : فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ في سورة النساء [ 72 ] . وجملة تَحْبِسُونَهُما حال من آخَرانِ عند من جعل قوله مِنْ غَيْرِكُمْ بمعنى من غير أهل دينكم . وأمّا عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم فإنّه حال من اثْنانِ ومن آخَرانِ لأنّهما متعاطفان ب ( أو ) . فهما أحد قسمين ، ويكون التحليف عند الاسترابة . والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين . وضمير الجمع في تَحْبِسُونَهُما كضميري ضَرَبْتُمْ - و فَأَصابَتْكُمْ . وكلّها مستعملة في الجمع البدلي دون الشمولي ، لأنّ جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا الحكم وإنّما يحلّ ببعضهم . فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مقتضى الظاهر كلّها . وإنّما جاءت بصيغة الجمع لإفادة العموم ، دفعا لأن يتوهّم أنّ هذا التشريع خاصّ بشخصين معيّنين لأنّ قضية سبب النزول كانت في شخصين ؛ أو الخطاب والجمع للمسلمين وحكّامهم . والحبس : الإمساك ، أي المنع من الانصراف . فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد . ومنه ما يكون بمعنى الانتظار ، كما في حديث عتبان بن مالك فغدا علي رسول الله وأبو بكر - إلى أن قال - وحبسناه على خزير صنعناه ، أي أمسكناه . وهذا هو المراد في الآية ، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادرانكم حتّى يتحمّلا الوصية . وليس المراد به السجن أو ما يقرب منه ، لأنّ اللّه تعالى قال : وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [ البقرة : 282 ] .