الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

240

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ما أَنْزَلَ اللَّهُ : هو القرآن . وعطف وَإِلَى الرَّسُولِ لأنّه يرشدهم إلى فهم القرآن . وأعيد حرف ( إلى ) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلّقي تَعالَوْا فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي تَعالَوْا الحقيقي والمجازي . وقوله قالُوا حَسْبُنا أي كافينا ، إذا جعلت ( حسب ) اسما صريحا و ما وَجَدْنا هو الخبر ، أو كفانا إذا جعلت ( حسب ) اسم فعل و ما وَجَدْنا هو الفاعل . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ في سورة آل عمران [ 173 ] . و ( على ) في قوله : ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا مجاز في تمكّن التلبّس ، وتقدّم في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * [ البقرة : 5 ] . وقوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إلخ ، تقدّم القول على نظيره في سورة البقرة [ 170 ] عند قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الآية . وليس لهذه الآية تعلّق بمسألة الاجتهاد والتقليد كما توهّمه جمع من المفسّرين ، لأنّ هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل اللّه وأهل الافتراء على اللّه ، فأمّا الاجتهاد والتقليد في فروع الإسلام فذلك كلّه من اتّباع ما أنزل اللّه . فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذا المعنى . [ 105 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 105 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) تذييل جرى على مناسبة في الانتقال فإنّه لما ذكر مكابرة المشركين وإعراضهم عن دعوة الخير عقّبه بتعليم المسلمين حدود انتهاء المناظرة والمجادلة إذا ظهرت المكابرة ، وعذر المسلمين بكفاية قيامهم بما افترض اللّه عليهم من الدعوة إلى الخير ، فأعلمهم هنا أن ليس تحصيل أثر الدعاء على الخير بمسئولين عنه ، بل على الداعي بذل جهده وما عليه إذا لم يصغ المدعوّ إلى الدعوة ، كما قال تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] . و عَلَيْكُمْ اسم فعل بمعنى الزموا ، وذلك أنّ أصله أن يقال : عليك أن تفعل كذا ، فتكون جملة من خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر ، وتكون ( على ) دالّة على استعلاء مجازي ، كأنّهم